سليمان بن إبراهيم بن سليمان الحقيل

تاريخ الميلاد: 1354هـ

مكان الميلاد: قصر الحائر العتيق

تاريخ الوفاة: 1402هـ

التعليم: -

المهنة: -

عمي سليمان بن إبراهيم بن سليمان بن محمد بن حمد الحقيل، شقيق والدي، أمه شريفة بنت مجحد المجحد من جلاجل، وهو أكبر إخوانه الأحياء؛ إذ مات له إخوة وأخوات وهم صغار، وبعده أخته سارة تزوجت صالح بن عبد الرحمن السعيد، ولها منه بنون وبنات، ثم أخوه محمد، ثم أخوه عبد العزيز، وله من الأبناء: إبراهيم ووليد ومحمد، ومن البنات: نورة وفاطمة ومنيرة وهند وهيفاء وندى وشذى.

ولد في قصر الحائر العتيق عام 1354هـ، وتوفي بمرض السرطان عام 1402هـ فعمره ثمان وأربعون سنة. وهو أسن من والدي بعشر سنوات. وانتقل مع والديه وإخوانه لجوي، وبعد وفاة والده فلح (أم خيسة) ثم تركها وذهب للوشم مع إبراهيم العثمان الحقيل وأخيه صالح، وفلح فيها فترة وتزوج المرأة الصالحة العابدة: هيلة العدوان؛ فكانت نعم الزوجة له، وهي أم أولاده كلهم.

كان لطيف المعشر، لين الجانب، قليل الكلام، أدركته وأنا صبي، وتوفي وأنا في المرحلة المتوسطة، وكنّا جيرانا سنوات عدة في البطيحا، شمال شارع الأعشى، وجنوب حي جبرة. له برنامج يومي مضبوط لا يخل به، يحضر صلاة الفجر في المسجد، ويفطر ويذهب إلى عمله في البلدية، ويعود في الظهيرة فيتغدى، وربما نعس نعسة، ثم قبيل العصر يذهب لحراج ابن قاسم إلى ما بعد المغرب، وربما تأخر إلى العشاء. وانضباطه في هذا البرنامج عزله عن مجالسة الناس، والقيل والقال، والغيبة والنميمة وغير ذلك. واكتسب من برنامجه هذا قلة الكلام، وعدم التدخل فيما لا يعنيه، والإمساك عن الحديث في الناس، وقد جالسته كثيرا في صباي مع الوالد أو مع غيره فما أذكر أنه تكلم في أحد بسوء.

ولما ألزموني أن أصلي بالناس التراويح عام 1400هـ في مسجد حارتنا؛ كان يصلي معي كل ليلة ويشجعني، وبعدها مرض في بدايات 1401هـ إلى ذي الحجة 1402هـ، ومكث في مستشفى التخصصي، طيلة العطلة الصيفية لعام 1402هـ وكنت أرافق معه في النهار؛ فنال منه المرض طيلة السنتين، وأكل جسمه حتى هزل جدا، ولم أسمعه طيلة مرافقتي معه يئن أو يشتكي أو يعترض، بل كان صابرا صامتا، يتكلم باقتصاد إن أراد شيئا، وإن تحدث الزوار ينصت إليهم، ولما حضرته الوفاة حجبوني عنه في آخر أيامه لصغري، حتى جاءنا نبأ وفاته، رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.   

أشهر صفة حكيت عن عمي سليمان من معارفه شجاعته، وأعطي مع شجاعته قوة جسدية، وكان والدي إذا وصفه أحد بالشجاعة قال: كيف لو رأيت أخي سليمان؟ وحدثني والدي أنهم في جوي وكان جماعة يسوقون جملا يريدون نحره لكن الجمل هاج عليهم، وأخذ يتخبط فهربوا؛ فأخذ أخي سليمان عمود خيمة قريب وضرب الجمل على وجهه فسقط ثم نحره فعادوا وحمدوا صنيعه. قال والدي: وذات مرة خرجنا من المسجد وإذا شاب قوي معروف لأهل جوي جاء من القصيم، ولا يستطيع أحد طرحه، فتحدوا سليمان أن يطرحه، فاشتبكا وطرحه سليمان. وكثيرا ما يحدثنا الوالد عن مواقف له في الشجاعة، لكنه كان يعيب عليه أنه مهمل لدنياه، لا يأبه بها، يعيش يومه ولا يفكر في غده.

وحدثني العم الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الحقيل عنه كثيرا ومما قال: عرفت عن ابن عمي سليمان الهدوء وحسن معاملته للناس، وكان غيورا جدا على سمعة الأسرة، معتزا بها. ومن أبرز صفاته الشجاعة، وليست فقط الشجاعة في مواجهة الآخرين، بل الشجاعة الأدبية في مواجهة نفسه إذا أخطأ، وحضرته كذا مرة يعترف بخطئه عند من أخطأ عليه، ويعتذر منه، وهذه صفة في عمك سليمان يعجز عنها أكثر الناس. كما أنه كان كريما جدا، ويحب نفع الناس بما يستطيع، ويبذل ما عنده لهم، ومن شواهد ذلك: أنه بعد موت والده فلح نخل (أم خيسة) واقترض فاشترى مكينة بلاكستون، فتغير حال المزرعة بعد المكينة، ومع توفر المياه كان يزرع الشعير والبر والذرة وغيرها، وهو ليس عنده أنعام لكل ما يزرع، ولما سئل عن ذلك قال: أزرعها لأهل المواشي؛ فكانوا إذا عادوا بغنمهم مروا على (أم خيسة) ومعهم محاشهم فيحصد كل واحد منهم حاجته من الأعلاف بالمجان، وهو مستمر في زرعها لهم، ومن جراء ذلك تحول كل من لديهم أنعام إلى مزرعة (أم خيسة) يحصدون منها لأنعامهم. وفي موسم خراف النخل يأتون له ويخرف لهم أيضا بالمجان، ولا يمكن أن يأتي إليه أحد يريد تمرا أو علفا فيرده، فهو كريم إلى حد الإسراف في الكرم. وإذا سأله أحد شيئا ليس عنده بذل ما يستطيع لتوفيره له ولو من غيره بالشراء أو الهبة أو الاستعارة،  وجاءه ذات مرة وأنا عنده أعرابي يشتكي سنا له لم ينم من شدة ألمه، فعالجه بما ليس علاجا في العادة للسن آنذاك، فشفي الأعرابي، وأحضر الأعرابي من الغد أقطا وسمنا هدية، ثم اشتهر عند البادية أن سليمان البراهيم الحقيل يعالج المرضى، فجاء أعرابي آخر يشتكي له -ونحن عنده- أنه لا ينام، وإذا نام رأى كوابيس مروعة، وأراد منه أن يرقيه، ونحن نعلم أن سليمان أمي، ولم يسبق له رقية أحد، فواعده من الغد، وأحضر له ماء في زجاجة، وذكر سليمان أنه قرأ فيها بالمعوذات، وأمره أن يشرب الماء، وبشره بأنه سينام نوما هانئا، فعاتبت أنا سليمان وقلت: كيف تبشره بالشفاء وأنت لست ترقي؟ فقال: هذا فيه وساوس وخوف، وإذا شرب هذا الماء معتقدا أنه رقية زالت وساوسه وخوفه، وقد قرأت فيه المعوذات وهي كافية، فسكتُ عن مناقشته. وبعد خمسة أيام جاءنا الأعرابي وأخبرنا أن خوفه وقلقه زال، وأنه صار ينام نوما هانئا.  

قلت: وأخبرني والدي أن أخاه سليمان كان بارعا في تجبير الكسور، ولديه معرفة بكثير من مجالات الطب الشعبي، ولعله أخذ ذلك عن أمه فإن لديها معرفة كبيرة بالطب الشعبي، وكذلك أخته سارة اشتهرت بذلك، وظل الناس يقصدونها في علاج النساء والأطفال إلى أن مرضت وعجزت عن ممارسة العلاج الشعبي، رحمهم الله تعالى أجمعين.   

 وأخبرني العم الدكتور سليمان العبد الرحمن أن عمي سليمان بذر في سنة من السنوات خضرة في أم خيال مع أحد بني عمه، وكان بجوارهم بدو مخيمين، فيَرِدُون على بئر أم خيال يستقون منها، ويسقون أنعامهم، فلما رأى عمك سليمان ذلك ابتنى بنفسه لهم بركة طولها خمسة أمتار في نصف متر، وأبعدها عن الخضرة بما يقارب مئة متر، وشق لها ساقيا يغذيها بالماء، فصارت أنعامهم ترد على البركة وتشرب منها مباشرة، وزرع ذرة وشامية، وصار يحصد لهم ويعطيهم لأنعامهم، ويعطيهم من الخضرة لأهلهم. ولكن بعضهم ظن أن هذا الإحسان منه ضعف وخوف، فجاء بغنمه ووطئت الخضرة فأفسدت شيئا منها، فكلمه في ذلك ظنا منه أنه لا يدري بما فعلت غنمة بالخضرة، لكن الأعرابي أظهر عدم مبالاته، ورد على عمك ردا قبيحا، فلطمه عمك لطمة أفاقته وبينت له مقداره، فذهب ذليلا، وجاء والد هذا المضروب وهو لا يدري عن الحادثة، فحصد لغنمه من المزرعة، وأعطاه سليمان ما احتاج من الخضرة، ولم يكلمه في شأن ولده، فلما عاد إلى مضاربهم أخبره ابنه أن سليمان لطمه فأوجعه؛ فعاد الأب في الصباح إلى سليمان مغضبا، وكلمه في شأن لطمه لولده، فرأى سليمان أن الأب متعنت كولده؛ فقال له: لا تَرِدُ غنمكم على المزرعة ولا تأخذوا منها علفا، وليس لكم عندنا شيء، ومن رأيته في مزرعتنا أو قربها حصدت رجليه، وطرده. فاستفزع الأعرابي بجماعته فجاءوا للتوسط بينه وبين سليمان، وإنهاء الخلاف؛ لِتَرِدَ غنمه، ويستفيد من علف المزرعة وخُضَرِها. لكن الذين جاءوا للتوسط ركبتهم الحمية لقومهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فأساءوا الحديث مع عمك سليمان؛ لأنهم يظنون أن عطاءه لهم حق ثابت لازم، وأنه عن خوف وضعف، ولم يظنوا أنه عن كرم وحب للبذل، فقالوا لسليمان: ضع شبكا على المزرعة إذا كنت ستحفظها من أنعامنا، فغضب سليمان وهو يردد: أشبك على المزرعة عشانكم، ثم صوت لابن عمه يطلب المسحاة، فخفتُ أنا أنه سيضربهم بها؛ لعلمي أنه مقدام لا يهاب، ولا يهمه كثرتهم، وهم كذلك ظهرت عليه أمارات الخوف، لكنهم تماسكوا، فأخذ المسحاة وهدم ما بنى لهم من بركة لأنعامهم، وقال لهم: لسوء تصرفكم وقولكم وظنكم أننا نعطيكم من ضعف: لا تشربون من مزرعتنا، ولا ترد أنعامكم على مائها، ولا تأخذون بعد اليوم من علفها وخضرتها، فعادوا أذلة مندحرين. وذات مرة كنت في المدرسة مع والدك محمد البراهيم وحمد العبد الله السليمان، وحصلت بيننا في المدرسة خصومة مع بعض أولاد المدرسة فضربناهم، فاشتكى والد المضروبين على إمارة المجمعة، ولما رآى الأمير أنهم أقران وأن أولاده ومن معهم أكثر منا ردهم وقال: أولادكم أكثر وأكبر، فعدنا من المجمعة لجوي، ولم ينسها والدهم لنا، فلما خرجنا من المدرسة وإذا هو ينتظرنا ومعه عصا يريد الانتقام لأولاده ومن معهم، فهربنا للمزرعة (أم خيسة) وقطعنا من أثلها لنرده عنا، وهو متردد في الإقدام علينا، فسمعت جدتك شريفة المجحد أصواتنا، وأمرت سليمان أن يخرج لينظر الأمر، فخرج ورأى الرجل واقفا بعصاه، ونحن في الجهة المقابلة، فأمسك بتلابيبه وقال: ألم نذهب بالأمس للإمارة، وانتهى الموضوع؟ إن عدت مرة لمطاردة أولادنا كسرت ظهرك. وانتهت المشكلة ولم يتعرض لنا بعدها.

وحين انتقلت للرياض قدر الله تعالى أن نسكن في بيت واحد في حارة غميته، أنا كنت أدرس، وسعد البراهيم يعمل في مدرسة الصناعية، وعمك سليمان يعمل في البلدية، فتسلط علينا أحد الجيران يقول: أنتم عزاب ولا تسكنون بجوارنا، وقد دفعنا الإيجار وأثثنا المنزل وارتحنا فيه. وحاول عمك سليمان أن يلاطفه يبين له أننا قدمنا من سدير ومضطرين للسكن، وليس عندنا خيارات أخرى، لكنه ظل على تهديده لنا بأنه سيحضر الهيئة أو الشرطة. فلاحظ عمك سليمان أنه لا يحضر الفجر في المسجد، وعمك مواظب عليها، فلما جاء الجار يهددنا على عادته قال له عمك سليمان: نحن سنبلغ عنك الهيئة بأنك ما تحضر الفجر في المسجد، فانكسر الرجل وقال: أجل اسكتوا عني وأسكت عنكم، وانتهت مشكلتنا معه بتوفيق الله تعالى ثم بحكمة عمك سليمان. والحقيقة أني استفدت من عمك سليمان فوائد كثيرة في هذه الفترة؛ إذا أخذت عنه كثيرا من أخبار أجدادنا في الحاير، وصلة أسرتنا بالأسر الأخرى مما كنت لا أعرفه، ولا ألقي له بالا، ورأيت فيه اعتزازا بالآباء والأجداد من جهة كرمهم وبذلهم وإطعامهم للناس، مع صون كرامتهم، وحفظ حقهم، وعدم السماح لأحد أن يمس كرامتهم، وعلمت أن أفعاله في الكرم والبذل ومساعدة الناس، مع الشجاعة وصون الكرامة خلق أخذه سليمان عن آبائه وأجداده، وانعكس ذلك عليّ، فكنت إذا رجعت للحاير أتلقى عن أبي أخبار الأجداد، وأسأله عنهم، فغرس عمك سليمان في نفسي العناية بتاريخ الأسرة والأجداد، وكنت غافلا عن ذلك من قبل. ولما أخذت عن والدي كثيرا من أخبارهم وجدته مطابقا لما ذكره عمك سليمان، مما يدل على أنه كان معتنيا بأخبار الأسرة ضابطا لها. وأتذكر أيضا أن أبناء جدي سليمان لما ابتنوا قصر العليا مضافة للمسافرين والمنقطعين كان المسئول عن ترتيب شئونهم عمي عبد الكريم، وكانوا يستنفرون الشباب من أبنائهم لإكرام الضيفان بالجلوس معهم في مجلس المضافة، ويرتب الأدوار والأوقات بينهم، وكان من ضمنهم عمك سليمان، وسمعت عمي عبد الكريم يخبر أبي عبد الرحمن فيقول: سليمان البراهيم يعتمد عليه في استقبال الضيوف وإكرامهم؛ فإنه إذا كان في المضافة عندهم يخدمهم ويحادثهم ويؤنسهم ويعمل القهوة لهم ويقهويهم ويطعمهم، مع أن مهمته المطلوبة منه الترحيب بهم، والجلوس معهم فقط، وإن أرادوا شيئا من داخل البيت فمهمته أن يحضره لهم، لكنه تجاوز ذلك إلى خدمتهم، فكان عمي عبد الكريم مغتبطا به، مثنيا عليه في هذا الجانب.

وأخبرت ابنته نورة بنت سليمان أن والد زوجها عبد العزيز الخضير حدثها أنه أتى في سنة من السنوات لسدير لشراء التمر، ومرَّ بجوي، قال: فاشتريت من رجل يدعى سليمان الحقيل بما معي من مال، فلما قبض المال وأخذت التمر استمهلني فأعطاني مثل الذي اشتريته منه هبة، فعجبت من كرمه وجزالته، قالت: فأخبرته أن ذلك والدي، فتأثر كثيرا ودعا له.

الأحد 25 / 5/ 1447هـ

كتبه: إبراهيم بن محمد الحقيل