شايع بن عبد الله بن سليمان الحقيل

تاريخ الميلاد: 1340ه ــــ 1921م تقريباً
مكان الميلاد: المجمعة
تاريخ الوفاة: 21/12/1406 هـ الموافق 26/8/1986 م
التعليم: -
المهنة: في قيادة السيارات في الجراج الملكي
بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه …. وبعد:
فقد تواصل معي العم الفاضل الدكتور/ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن سليمان الحقيل ــــ سلّمه الله وكتب أجره ــــ، وكلفني مشكوراً بتحرير ترجمة لجدي المرحوم/ شايع بن عبدالله الحقيل، ولأنه رحمه الله تُوفّي قبل ولادتي بسنين كثيرة، فقد استعنتُ ــــ بعد الله ــــ بوالدي الشيخ/ إبراهيم بن شايع الحقيل لتزويدي بالمعلومات المتكاملة لتحرير هذه الترجمة باعتباره من أبناءه القريبين منه حتى وفاته رحمه الله، وفعلاً أدلى والدي ــــ سلمه الله ــــ ببياناتٍ كثيرة، وترك لي حق اختيار ما يناسب الترجمة من هذه البيانات، ونصحني بالاستعانة بأعمامي الكرام ممن عاصر جدي في حياته، وهم: محمد، وعبدالله، وإبراهيم، وعثمان، وعبدالمحسن، وسلمان، فعزمتُ وتوكلتُ على الله مسترشداً بأعمامي ـــ سلمهم الله ـــ في صياغة الترجمة، وتحقيق المعلومات وتصويبها قدر الإمكان، فبذلوا ـــ جزاهم الله خيراً ـــ معي جُهداً طيباً، مما ساهم في إخراج الترجمة بهذه الصيغة التي أزعمُ أنها تعكس واقع حياة جدي شايع رحمه الله على نحو مطابق، وسأستعرض ترجمته في عدة نقاط كما يلي:
مَوْلده:
وُلِد جدّي/ شايع بن عبدالله بن سليمان الحقيل ــــ رحمه الله ــــ عام (1340ه ــــ 1921م تقريباً)، في مدينة المجمعة.
النّشأة والتعليم:
نشأ في بيئةٍ محافظةٍ عُرفت بالدين والكرم والخُلُق الرفيع، وتلقّى تعليمه الأول مثله مثل كثير من أبناء المجمعة في وقته في كُتّاب الشيخ أحمد الصانع بالمجمعة رحمه الله، وكانت الكتاتيب آنذاك بمثابة المدارس العلمية التي يتعلم فيها الطلاب التوحيد والعقيدة، والقراءة والكتابة، ومبادئ الفقه واللغة، وكذلك حفظ القرآن الكريم.
منزله الأول:
كان منزله الذي نشأ فيه يُطلّ على الهَمَال (مجرى السيل) الذي بجوار الجامع الكبير في المجمعة، وكان منزله ملتقىً للجيران والمصلين، ومن جيرانه المعروفين العم احمد السعد الحقيل، وحمد الدبيبة، وحمد العلي التويجري، ومحمد بن حمد العسكر، رحمهم الله جميعاً، حيث كان المجلس عامراً بالرجال والضيوف، والقهوة والشاي، والضيافة الدائمة لكل عابرٍ أو جارٍ أو مصلٍّ خارجٍ من المسجد.
خُلُقه وسيرته:
كان من أوائل من أدخلوا السيارات إلى المجمعة وسدير، وتعلّم قيادتها في وقتٍ مبكر حين كانت السيارة من مظاهر الحداثة النادرة في المنطقة، وقد اشتُهر رحمه الله بحُسن الخلق، وسعة الصدر، وحب الخير للناس، وكان يخدم الناس بسيارته دون تكلّف أو طمع في الأجرة، فإذا أُعطي أجرةً وضعها في صندوق مجهز تحت مقعد القيادة دون أن ينظر إليها، وإن لم يُعطى لم يسأل، في مثالٍ نادرٍ على الكرم والطيبة.
حياته العائلية:
نشأ جدي شايع مع إخوته سليمان الأكبر، وعبدالعزيز الأصغر، وفاطمة (أم الجِبْلان) وحصة (ام العفيصان) ـــ رحمهم الله جميعاً ـــ في كَنَفِ والدتهم/ نورة بنت محمد الشنيفي (الشنيّفية) ــــ رحمها الله ــــ التي فَقَدَت بصرها في أواخر حياتها، وكان بارّاً بها وملازماً لها، وتزوّج من أسرتي الخريف، وآل التركي، وكان زواجه الثاني بدافع رغبته في أن يُرزق بأبناء يحملون اسمه من بعده، إذ كانت زوجته الأولى ـــ غفر الله لها ـــ تُرزق بالأبناء لكنهم يتوفّون صغاراً في سنٍّ تتراوح بين الرابعة والسادسة، وقد فَقَدَت ــــ رحمها الله ــــ نحو أربعة أبناء قبل أن يُرزق بالذرية التي امتدّ بها نسله.
وكان جدي شايع ــــ رحمه الله ــــ قد تزوّج (بنت بنت خالته) والدتنا الحبيبة/ حصّة بنت ناصر الخريّف ــــ رحمها الله ــــ، والتي أنجبت منه عدداً من الأولاد هم: هيا (أم اليوسف)، ومحمد، ومنيرة (أم الضعيّان)، والجوهرة ــــ رحمها الله ــــ، وشيخه (أم اليوسف)، ولطيفة (أم اليوسف)، وهُدى (أم الضعيّان)، أمدّ الله في أعمارهم ومتّعهم جميعاً بالصحّة والعافية.
ثم كان زواجه الثاني من والدتنا الحبيبة/ فاطمة بنت علي آل التركي القحطاني متّعها الله بالصحة والعافية، وقصة زواجه منها أنه حين كان صغيراً يدرس في الكُتّاب تعرّف على صديقه العم/ سعيد بن عبدالله القحطاني ــــ رحمه الله ـــ الذي كان يعمل في خدمة أمير المجمعة السابق المرحوم/ عبدالله العسكر، والذي عاد معه بعدما رجع من عسير قبل وفاته، وتوطّدت صداقتهما حتى رجع صديقه هذا إلى عسير، وعندما امتهن جدي شايع قيادة السيارات، وجلب البضائع للرياض من جدة ومكة المكرمة رفق أصدقائه (الشلهوب)، عَنّت له زيارة صديقه سعيد فسافر إلى عسير، وهُناك لَفَتَ نظره في أحد الأسواق امرأةً في كامل سترها وحشمتها، فيما كانت أغلب النساء هناك يكشفن وجوههنّ، فأُعجب بوقارها وحشمتها وأدبها، وكانت تلك المرأة هي جدتي فاطمة بنت علي التركي القحطاني التي أصبحت لاحقاً زوجته وأم أولاده، فأنجبَ منها ستة أبناء، وأربع بنات هم: عبدالله، وإبراهيم، وعثمان، وعبدالمحسن، وقميّش، ومُنى (أم المزروع)، وسليمان، وعبدالعزيز، وهناء (أم الخميس)، وتهاني، أمدّ الله في أعمارهم ومتّعهم جميعاً بالصحّة والعافية، وكان عمّنا/ إبراهيم الصالح “وهو أخٌ لجدي شايع من أمّه” أن كان مرافقاً للأمير/ عبدالله العسكر عندما كان أميراً على أبها حاضرة عسير، وسبق له الزواج من قحطان رحمهم الله جميعاً.
أعماله:
امتهن رحمه الله ـــ كالعديد من أقرانه في ذلك الحين ـــ العمل في قيادة السيارات في الجراج الملكي لمدة من الزمن، وكانت مهنة راقية في حينه نظراً لحداثتها وعلوّ شأنها، ثم بدأ في امتلاك السيارات وتوصيل المسافرين بين الرياض والمجمعة، وبين الرياض ومكة المكرمة، واكتسب سمعةً طيبةً في التعامل مع الناس، وفي خدمتهم، والتعامل معهم باللطف، والتغافل عمن كان محتاجاً أو فقيرا، كما عمل كذلك في تجارة بعض البضائع التي ينقلها من جدة، ومكة المكرمة إلى الرياض وغيرها، واستمر في ذلك العمل حتى استقر في المجمعة في أواخر حياته، وعمل في مستشفى المجمعة العام حيث كان يقوم بصيانة وإصلاح سيارات المستشفى مستفيداً من خبرته الطويلة في القيادة والميكانيكا، وقد كان مثالاً للعامل الأمين المتواضع الذي يؤدي عمله بإخلاصٍ وهدوء، مُحبّاً لخدمة الجميع دون أن يرى في ذلك حرجاً أو نُقصاناً، بل كان يرى فيه واجباً وشرفاً ما دام فيه نفعٌ للناس.
أصدقاؤه ومعارفه:
كان من أصدقائه المقرّبين الرجال الأفاضل صالح، وإبراهيم، وعبدالله الشلهوب، والوجيه ورجل الأعمال المعروف محمد العثمان الرشيد، وقد جمعته بهم صداقة طويلة أساسها الوفاء والمودة، وكان معروفاً بين أهل المجمعة وسدير بعلاقاته الطيبة، وتواصله الدائم مع الناس في أفراحهم وأتراحهم، يزورهم ويواسيهم ويشاركهم همومهم بوجهٍ باسمٍ وقلبٍ نقي، كما كان بيته رحمه الله مفتوحاً لأصحابه من البدو والحضر، حيث كان يحتفظ بعلاقات متميزة مع الجميع.
مواقفه وكرمه:
خُلِّد عنه مواقف كثيرة تدل على كرمه وطيب معشره، ومن ذلك أنه حين قصد الزبير لزيارة أقاربه هناك ــــ حيث التقى أحدهم، وبعد السلام والتعارف، قال له عمّه الساكنُ في الزبير ـــ ظنّاً منه رحمه الله أن شايع مقيم عند أحدٍ في الزبير ـــ: «موعدنا غداً على الغداء!؟»، فابتسم جدي شايع، وقال ممازحاً: «وأين سأنام وأتعشّى الليلة؟»، فضحكا جميعاً، وباتَ في ضيافته تلك الليلة، حيث أكرمه العم بضيافة وعناية خاصة لم ينساها جدي حتى قُبض.
ومن المواقف المؤثّرة ما رواه العم/ علي بن محمد الحقيل ــــ رحمه الله ــــ عن والده، ان جدي شايع كان يزور أقاربه الذين يسكنون في الكويت، حيث كان أحدهم يملك دكاناً صغيراً هناك، وقد لاحظَ جدي شايع أن مُضيفهُ لا يدعو أحداً على الغداء كعادته رحمه الله، فسأل عن حاله، فعلم أنه يمرُّ بضائقة مالية حادّة، فوضع تحت مخدته في فراشه مبلغاً من المال قبل سفره للبصرة، وحين اكتُشف المبلغ بعد سفره حاول العم المُضيف إرجاعه إليه، فأخذه جدي شايع وأعاد وضعه في “ظرف مغلفٍ” كتب عليه عبارة (إهداء للعم) المُضيف، ويُروى أن ذلك المبلغ كان سبباً من الأسباب في بركةٍ ورزقٍ استمر معه حتى وفاته رحمه الله.
ومن أعماله التي يذكرها له أهل المجمعة أنه عندما تمديد المياه في طُرقات المجمعة ضمن الشبكة الأولى هناك، واحتاج الناس إلى تمديد المياه إلى منازلهم كان رحمه الله يقوم بإيصال المياه إلى البيوت بما يعرفه من أعمال السباكة التي يندر حينه من يجيدها، ويذكر الأستاذ/ محمد بن عبدالله السناني الذي كان يعمل مُلحقاً تعليمياً للحرس الوطني في مدينة هيوستن الأمريكية: ان والدته رحمها الله لا تنسى لـ شايع معروفه وموقفه عندما أوصل المياه إلى (حويّط البيت) حيث سجدت شكراً لله عندما فتحت الصنبور فانطلق الماء، وقد قام السناني باستقبال جدي شايع في أمريكا وعمل مترجماً معه في التسجيل في المستشفى لإنجاز عملية القلب المفتوح آنذاك، وعندما اعتذر والدي إبراهيم بن شايع ـــ الذي كان مُرافقاً لجدي ـــ من السناني لتكلّفه بأعمال الترجمة رغم كثرة مشاغله، ذكر له السناني هذا المعروف الذي لا يُنسى لشايع، وأنه كان يتمنّى خدمته بما أدخله من فرحة على قلب والدته ـــ رحمهم الله جميعاً ـــ وذكر السناني: أنه عندما مدّ له مبلغاً من المال أتعاباً عن عمله رفض شايع ذلك تطييباً لخاطر السناني ووالدته.
وفي موقف آخر جرى على أحد أصدقائه البدو حادثاً بسيارته تُوفي فيه ثلاثة أشخاص، وقد حُكم عليه بالدّيَات، فلم يجد سوى صاحبه شايع فطرق بابه قبل صلاة الظهر يطلب منه فزعته بتقديم كفالته الغُرمية والحضورية له لإخراجه من السجن، والذهاب إلى قومه وقبيلته يسترفدهم في جمع الدّيات، وتقديمها لأهل المتوفّيين، فبادر جدي شايع رحمه الله إلى المُضي معه ـــ رغم معارضة أحد جيرانه له باعتبار أن هذا البدوي قد يهرب، ومن ثمّ يتحمل هو دفع هذه الدّيات ـــ ولكنه لم يتردد في الاستجابة لمن عناه وقصده بقضاء حاجته والتفريج عنه، فذهب وكفله، وحصل له على مدة تجاوزت الأربعة أشهر ليجمع الدّيات المحكوم بها، والعودة لتسليمها لأهلها، وفعلاً لم يكمل صاحبه البدوي أكثر من ثلاثة أشهر فقط إلا وهو عند باب جدي ومعه المبالغ المالية في كيس كبير، حيث رفض الدخول أو شرب القهوة حتى ينهي الأمر مع أهل المتوفّيين، فذهب معه جدي للشرطة وهناك تم استدعاء أهل المتوفّيين وسُددت الدّيات لهم بالتمام، وعاد به للبيت لتناول الغداء فرحاً بما صنع، وحرص جدي رحمه الله على أن يشارك الجار معهم في تناول الغداء ليعرفَ هذا الجار وفاء صاحب جدي البدوي مفتخراً به وبصنيعه الطيب ووفاءه معه.
ويقول فيه الأستاذ/ حمد الحجي المزروع الذي عمل مع جدي شايع معاوني في نشاط السيارات ـــ قبل أن يجدّ ويجتهد ويواصل تعليمه حتى صار مديراً لمدرسة جلاجل الابتدائية ــــ، يقول في قصيدة له نقلها عنه العم/ إبراهيم الشلهوب رحمهم الله جميعاً:
الفُــرت يـا مـنــوة الـعــشّـاق **** يا نـاس يـامـا من الزّيني
لا صــار شـايــعٍ بـهــا سـواق **** يرضي الحضر والبداويني
شـايـع حـلـيـم وكـريم أخلاق **** مـع الـحـضـر والـبـداويـنـي
ماهوب من خمّة الطقطاق **** مـثـل …….. مـسـيـكـيـنــي
مـن جـاكَـرَه حِـرْوتـه يِـنْـعـاق **** مـثـل الـمـغـرّز مع الطّيني
السفر للعلاج:
وفي أواخر حياته، وبعد معاناته مع مرض القلب، سافر عام 1981م إلى مدينة هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية لإجراء عملية القلب المفتوح، ورافقه في تلك الرحلة ابنه/ إبراهيم، وكان ذلك في وقتٍ كانت فيه تلك الرحلات الطبية نادرة وصعبة، وهناك أجرى العملية له جراح القلب العالمي مايكل دبيغي، وكان ذلك بمساعدة وحرص متميزين ومتابعة حثيثة من الأستاذ/ محمد بن عبدالله السناني ــــ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ــــ ، وهو الذي كان حينها يعمل مُلحقاً تعليمياً للحرس الوطني في مدينة هيوستن الأمريكية، وبمتابعة وحرص كبيرين من السيدة الكريمة الحشيمة الوفيّة أم رائد رحمها الله، وهي زوجة المرحوم الأستاذ/ منصور الدخيل غفر الله له، والذي يكون جدي شايع عماً لأمه رحمهم الله جميعاً، وكذلك ساهم معها في خدمة جدي شايع ابنها الكريم الدكتور/ رائد بن منصور الدخيل، وبناتها الثلاث الكريمات، وقد مثّلت تلك الرحلة علامةً على صبره وثباته وإيمانه بقضاء الله وقدره، حيث عاد بفضل الله وهو يرفل في ثياب الصحة والعافية.
وفاته:
تُوفي جدي شايع بن عبدالله الحقيل ــــ رحمه الله ــــ يوم الثلاثاء 21/12/1406ه الموافق 26/8/1986م بعد حياةٍ عامرةٍ بالعطاء والكرم وخدمة الناس، وقد شيّعه أهله وأحباؤه ودُفن في مدينة المجمعة بقلوبٍ حزينةٍ ودعواتٍ صادقة، تاركاً خلفه سيرةً طيبةً يتداولها أبناؤه وأحفاده بفخرٍ واعتزاز.
رحم الله جدي شايع بن عبدالله الحقيل، فقد كان من رجالات المجمعة الأوائل الذين جمعوا بين الكرم والبساطة وحُسن الخُلُق، والسماحة والوفاء، عاش نقيّ السريرة مُحبّاً للخير، وعمل بيده بصدقٍ وشرفٍ، ومات والناس تذكره بالدعاء والجميل، فنسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته.
حُرر بالرياض ـــ الأحد 18/5/1447ه
إعداد الحفيد: محمد بن إبراهيم بن شايع الحقيل

