الجد إبراهيم بن سليمان بن محمد الحقيل

تاريخ الميلاد: 1323هـ

مكان الميلاد: حائر سدير

تاريخ الوفاة: 1373هـ

التعليم: -

المهنة: -

هو إبراهيم بن سليمان بن محمد الحقيل، ولد في حائر سدير عام (1323هـ)، ونشأ فيها، وعمل مع والده وإخوانه في النخيل، وأخبرني والدي أنه كان أكثرهم عملا في الصدر -وهو استخراج الماء- وفي معالجة النخيل، حتى أضنته مشقة العمل، فيقوم أخر الليل يشغل الصدر ويصلي إلى الفجر وهو عنده في النخل، وأخبرني والدي أنه طيب القلب، سليم الصدر.

وحدثني والدي أن جدي إبراهيم كان مؤذنا في الحاير، وكان جهوري الصوت حتى إن صوته ليسمع من مسافة بعيدة. وكان بعد انتقالنا لبلدة جوي يستأذن المؤذن فيؤذن بدلا عنه محبة منه للأذان. ومما نقل في قيامه لليل أنه كان يعشي في الليل -أي يوقف الدبش عن الصدر- في الساعة الواحدة أو الثانية من الليل، ويصلي ما كتب الله تعالى له.

وحدثني والدي أن عم والدي عبد الله بن سليمان هو إمامهم في الصلاة وهو يخطب بهم الجمعة، وذات مرة ذهب إلى المجمعة وعاقه الرجوع يوم الجمعة، ودنا وقت الخطبة، وليس عندهم خطيب، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وكان ابن عمهم سعد بن عثمان بن عبد العزيز يقرأ ويكتب، فأمسك إبراهيم بيده وكان متهيبا من الخطبة، وسحبه إلى المنبر وأجبره على ذلك، وأعطاه كتاب الخطب فخطب بهم، وبهذا زالت عنه رهبة المنبر، وصار هو خطيبهم لما كف بصر عم والدي عبد الله، واستمر سعد في الخطبة إلى أن توفاه الله تعالى.

وحدثني والدي أن أناسا اعتدوا على أعمام أبي في جوي ففزع جدي لمساعدة إخوانه ورد المعتدين، ورأى سرعته وإقدامه أحد الشعراء في جوي فقال أبياتا علق منها في ذهن والدي هذا البيت:

وأبو حمد فزع بغلب من البيت قرم يهول القوم عند الملاقاة

وحدثني والدي أنه كان يستغرب أمرا وهو صغير، وهو أن في سدير بعض المجانين، ينتقلون من بلدة إلى أخرى، وكان الناس يخافونهم ويخشون اعتداءهم عليهم، فيلزمون بيوتهم حال مرورهم بالجوي، قال: وأما والدي فكان لا يخافهم، بل يذهب إليهم، ويحضرهم إلى جدار منزله، ويطعمهم، فيأنسون له، ولا يمسونه بسوء.

وحدثني والدي أن شخصا متسلطا طرد ضيفا من مجلس الجد سليمان، وهو مجلس للضيفان والمسافرين والجوعى يرتاحون فيه ويأكلون، ثم يمضون في طريقهم، وكان إبراهيم يسوق الماشية، فرأى المطرود منكسرا، فأخذ بيده وأدخله المجلس رغما عمن طرده، وضيَّفه بالتمر والقهوة والطعام، ومكث معه حتى شبع وانصرف.

وحدثني والدي أن والده كان برا بوالديه، وكان يحث زوجته شريفة المجحد على البر بهما، ولا سيما عندما كبر سنهما، ورق عظمهما. 

وحدثني والدي أنهم كانوا في رمضان في الصيف يصلون التراويح داخل نخل الحاير يلتمسون برودتها، وإذا جلسوا للاستراحة بين التسليمات يصعد جدي إلى نخلة تسمى الحلوة، يكون بلحها حلوا فيقطع من شماريخها، ويضعه بين الصفوف ليأكلوا وقت الاستراحة، وكان الناس يتوقون لذلك بسبب شدة حاجتهم، وحيائهم أن يطلبوا شيئا أو أن يظهروا فاقتهم، وجوعهم، وكان الذي يصلي بهم التراويح عم والدي عبد الله.

وقال لي العم الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الحقيل: “عمي إبراهيم أكرم من الذاريات، ولا يرى محتاجا إلا أعطاه، وجاء أعرابي يسوق غنما له تبلغ العشرين، وقد انقطعت من الجوع، ومعه بعير هزيل جدا، جاء ليسقي غنمه من ماء النخل، فرآه عمي إبراهيم فرقّ لحاله، وعزمه على العشاء وحلف عليه، فقال الأعرابي: والله يا أبو حمد إن عزيمتك أمرُّ علي من الشري -وهو ثمر الحنظل وهو مرٌّ جدا- وإنما أراد الأعرابي أن ينصرف ولا ينتظر العشاء، ويريد أن يستبقي شيئا من غنمه لئلا تموت، وكان قد مات منها خمسا وعشرين في مقدمه من العطينة للحائر، وكان عمي إبراهيم يضمر أمرا آخر، وهو أن يحمل معه وزانا من التمر، فلما وصل إلى البيت أمر عمي إبراهيم عمي عبد الكريم أن يملأ له خيشتين كبيرتين من التمر، وحملوهما على البعير، ولكن البعير عجز عن حملهما من ثقلهما، فقسموا واحدة على خرجين ليتوازن البعير، وأبقوا له الأخرى، فقال عمي إبراهيم: متى جئت فهي محفوظة لك. ولم يرجع الأعرابي إلا بعد سنتين وقد أثرى، فسلم على عمي إبراهيم ودعا له وأهداه ثلاثا من المعزى الحافلة بالحليب، وأخبره بأنه بخير، وأن حاجته زالت، وكانت البركة في تمرهم بسبب أنهم يتصدقون أكثر مما يأكلون ويبيعون؛ فيخرجون الزكاة، ويخرجون أضعافها صدقة؛ كما هي وصية أبيهم سليمان لهم” اهـ.  

وحدثني العم الدكتور سليمان العبد الرحمن عن أبيه العم عبد الرحمن قال:” كنت في العشرين من عمري، وأخي إبراهيم أكبر مني، وفي سنة من سنوات الجوع جاء للحاير ستة من الحنشل الجائعين، ولم يريدوا السطو، وإنما أرادوا أن يأكلوا، لكنهم كانوا معروفين في سدير كلها، وضيفهم أخي إبراهيم، وأطعمهم حتى شبعوا، فلما هموا بالرحيل وودعونا؛ تأخر أحدهم، وصعد نخلة مقاربة لسور القصر، ولا أدري لم تسلقها، ففطن له أخي إبراهيم، ووقف تحته وأمره بالنزول فنزل، وفهمت أن أخي إبراهيم ظن أنه إنما تسلقها يريد أن ينظر داخل القصر حيث النساء، مع أنه لا يستطيع ذلك لأن جدار القصر أعلى منها، فلما نزل لطمه أخي إبراهيم لطمتين شديدتين، حتى ورم وجهه منهما، واستفزع بصحبه على أخي، لكنهم نهروه ووبخوه، وقالوا: لم تصعد النخلة وقد أطعمونا وأشبعونا، ولا قبل لنا بالخصومة معهم لأجلك. فذهب الأعرابي الملطوم إلى أمير المجمعة آنذاك: عبد الله العسكر، واشتكى بأن إبراهيم السليمان الحقيل لطمه حتى ورم وجهه، فسأله لم لطمه؟ فقال: بعد أن أكلنا صعدت نخلة فأنزلني منها ولطمني؟ قال: هل استأذنتهم في تسلقها؟ ولم تسلقتها وأنت شبعان؟ قال: وزني الشيطان؟ قال الأمير: اذهب للشيطان الذي وزك وخله يفكك من الحقلة، ولا تجيني”.

وحدثني والدي أنه وقعت خصومة بين أحد أقارب جدي وبين أهل جوي بسبب وضيمة سيفجرها وقد تغرق البيوت، وكان أهل جوي يتوسلون إليه بألا يفتحها لئلا تغرق بيوتهم، ولكنه أصر على فتحها قائلا خلوا بيوتكم تغرق، فأمسك جدي بتلابيبه وطرحه أرضا، وقال لن تفتحها، فشكر صنيعه أهل الجوي.

 وحدثني أحمد الدهش أن جدي لما انتقل من الحائر إلى جوي كان يأتي إلى المسجد قبل المؤذن في الفجر فيصعد إلى مكان الأذان ويؤذن عنه، حتى ألف ذلك المؤذن فلا يأتي إلا بعد الأذان، وسبحان الله وبحمده كأن الأذان وراثة ورثها لأبي فقد لزم والدي الأذان في جامع الرحمانية عقودا ثلاثة حتى أقعد من مرض في ظهره، وكان قد واظب على الأذان طيلة تلك المدة.

وحدثني والدي أن أباه كان يدعو الله تعالى أن يقبضه قبل موت الملك عبد العزيز، ويعلق والدي على ذلك قائلا: مما رأوا من الخوف قبل توحيد المملكة، ويخاف أن يعود الخوف، وينفلت الأمر بعد موت الملك عبد العزيز. واستجاب الله دعوته فمات قبل وفاة الملك عبد العزيز بأربعين يوما عام 1373هـ، بعد معاناة شديدة جدا من المرض، يقول والدي: كنت أسمع أنينه طوال الليل من شدة ما يعاني من الآلام، رحمه الله تعالى وجعل الجنة داره.

كتبه: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحقيل