حمد بن عبد الرحمن بن سليمان الحقيل

تاريخ الميلاد: عام 1367
مكان الميلاد: حائر سدير
تاريخ الوفاة: 1433 هجري
التعليم: -
المهنة: عين رئيساً لمركز الحاير
ولد طموحا، وعاش طموحا، ولا ينظر إلى العوائق، ولا يستمع للمثبطين، ولا يلتفت للمخذلين، فدرس وكافح، وزرع وتاجر، وما من مجال من مجالات الرزق إلا طرق بابه، وجرب نفسه فيه، فكان له السبق في كثير من المجالات التجارية؛ فهو أول من أنشأ مؤسسة للمعدات الزراعية في المجمعة (ورشة إصلاح مع قطع غيار)، وكان الناس قبلها في مزارع المجمعة وما حولها إذا تعطلت مكائنهم قصدوا الرياض أو القصيم لإصلاحها، وهو أول من فتح محل دهانات في المجمعة، وكذلك أول من فتح معرض سيارات في المجمعة، وهو من أوائل من أنشأ مشروعا للدواجن في المجمعة، وأوصل الكهرباء إلى العبلة لأجله، وله فيه قصه طريفة أخبرني بها عمي سليمان حفظه الله تعالى وهي: أنه دخل على الوزير غازي القصيبي وأخبره بحاجة أرض العبلة إلى الكهرباء، فسأله الوزير: كم عدد الناس القاطنين فيها فقال الوالد: مئة وعشرون ألف نسمة، فقال الوزير: يا حمد، المجمعة ما بلغت العدد هذا فكيف بالعبلة؟ فقال الوالد: فيها مئة وعشرون ألف دجاجة في مشروع دواجن، فضحك الوزير، وتمت المهمة بإيصال الكهرباء لمشروعه.
كان الوالد على ما عرفته وما ذُكر لي مغامرا بالمال، وربما عزم على مشروعات يدرسها ثم يدخل ماله فيها ويفشل بسبب أن الدراسة كانت مثالية أو طموحة أكثر من اللازم، ولا يمل من تكرار التجارب على هذا النحو في مشروعات أخرى؛ ولذا تعددت أنشطته التجارية؛ كما امتهن الزراعة، وله فيها تجارب وعجائب، ولما شجعت الدولة المزارعين على زراعة القمح زرع قمحا سنوات، ثم زرع شعيرا، ولما ضعف الطلب الحكومي على الحبوب شغل رشاشات الماء على البطاطس حتى فاض سوق المجمعة منه، وصدره لخارجها، وعجز عن حصد كل المحصول فترك الباقي. وفي سنة ارتفع سعر البصل فأجرى الرشاش على بذور البصل، ولما استوى لم يجد من الحصادين من يكفي لحصده، فكان مع شدة حرارة الشمس يتفجر حتى فاحت رائحة البصل في المزرعة كلها، ثم راسل الصين يريدهم أن يخترعوا له حصادات بطاطس وبصل.. هذا ما أُخبرت به ورأيت بعضه.. والمؤكد أن ما لم أقف عليه من تجاربه أكثر من ذلك، فهو لا يكل ولا يمل من التجارب. كما أنه لا يفوته أي معرض زراعي، وإذا عاد منه تحدث عن الجديد فيه، فهو يقتحم كل مجال من المجالات غير هياب من الخسارة أو من النقد؛ حتى إنه ولج عالم الإعلام والصحافة، وصار يكتب المقالات في بعض الصحف، وله لقاء تلفزيوني مع أحد مسئولي وزارة الصحة يوجه إليه أسئلة واقتراحات، وأدار اللقاء المذيع المعروف سليمان العيسى. ومن عجائبه أنه كتب قصة وطبعها على حسابه.
ولد الوالد حمد بن عبد الرحمن بن سليمان بن محمد بن حمد الحقيل في حائر سدير عام 1367 وتوفي عام 1433هجري عن ست وستين سنه رحمه الله تعالى وجعل الجنة مأواه، نشأ في كنف والده في حاير سدير، فلما بلغ سن الدراسة التحق بمدرسة جوي الابتدائية، ودرس فيها ثم انتقل إلى المجمعة ودرس فيها المتوسطة والثانوية، ثم بعد ذلك انتقل إلى الرياض وتوظف في وزارة المالية، وبعد فترة انتقل إلى العمل في إمارة المجمعة؛ ليكون قريبا من والده، ثم بعد فترة عين رئيسا لمركز الحاير.
وأخبرني إبراهيم المحمد قائلا: “لما عين أبو حقيل أميرا للحاير تحمل مسئولية كبيرة، وهي أنه صار مقصدا للزائرين والضيوف، وكان يكرمهم مع أن حالته المادية تضعف عن ذلك في بعض الأحيان، لكنه لم يترك إكرامهم ولو استدان لذلك، ورأيته لا يأتي الحاير أحد إلا قام بواجب ضيافته؛ فإن كان وقت فطور أو غداء أو عشاء شاركه طعامه، أو صنع له مأدبة على شرفه. وإن كان ضحى أو عصرا قدّم له التمر واللبن، ولبن بقر الحاير عند أبي حقيل مميز ومعروف عند زوار الحاير، حتى إني كنت أعرف أشخاصا يتحدثون به. فإن كان في الشتاء أفطروا أو تعشوا على الحنيني واللبن تصنعه أم حقيل، وهي مشهورة به، وهذا أمر يعرفه كل من زار أبا حقيل. وفي مرة من المرات زرته في الضحى، وكان يتأهب للسفر للرياض، ولم يفطر لأن لديه تحليلا في المستشفى، وكان ينتظر أحد الغلمان من بني عمه يستيقظ ليذهب معه للرياض بطلب من والدي ذلك الغلام، فلما استيقظ ودخل علينا ما طابت نفس أبي حقيل أن يذهب به -مع أنه مستعجل- حتى يفطر، فدخل البيت وغاب وقتا، ورجع بصينية الفطور، وجلس الغلام يفطر أمامنا، حتى إذا انتهى من فطوره خرج مع أبي حقيل إلى الرياض، وكنت إذا زرت الحاير أحنّ على أبي حقيل من كثرة الزوار وإكرامهم مما يحتاج معه إلى ميزانية مستقلة، ولكن الله تعالى طرح البركة في رزقه بكرمه. وكم من مرة يمر بالحاير أغراب لا يعرفهم فيضيفهم ويذبح لهم، حتى اضطر إلى وضع غنم في العبلة براعيها لأجل الضيافة، علمت ذلك حين كلم أبو حقيل ابنه سعود مرة من المرات يأمره أن يذهب لمشروع العبلة، ويكلف الراعي أن يذبح للغداء من الغد؛ لأن عنده ضيفانا، وأخذ أولاده هذا الخلق عنه من بعده، فلا يأتيهم أحد في الحاير إلا ضيفوه وأكرموه على خطى أبيهم وأجدادهم رحمهم الله تعالى”.
قلت: وعرف والدي ببر الوالدين، والكرم، وصلة الرحم، نشأ على حب الدين، وملازمة الصلوات الخمس، وكان من عادته يوم الجمعة تقريبا أن يكون في الساعة الحادي عشرة في المسجد، وكان يصلي بنا اذا لم يوجد من يتقدم بنا في الصلاة، ويقرأ بالمقام النجدي العامي، وكانت نبرته مميزه، وفيه صفات يشهد بها الداني والبعيد كان: كريم النفس، طاهر القلب، يتعامل مع الجميع، ويخفض جناحه للجميع، فيوقر الكبار، ويمازح الشباب، ويلاعب الأطفال، ويتعامل مع الحاضرة والبادية، وله بال يتسع لجميع أجناس الناس، باختلاف ثقافاتهم وعقولهم، ولست أدري هل كان ذلك من طباعه التي فطر عليها أم قهر نفسه على ذلك حتى تخلق به لما تولى إمارة الحاير، وكان لا بد أن يتعامل مع جميع الناس. وكان صاحب فزعة إذا استفزع ولو مع عدوه، وله نفس عالية تترفع عن سفاسف الأمور، أخبرني إبراهيم المحمد عن قصة عجيبة في هذا قال: ذات مرة كنا نتعشى في مركز الإمارة على الدكة خارج السور، فجاء شاب كنت أعلم حينها أن أسرة ذلك الشاب على خصومة شديدة مع أبي حقيل وإخوانه، وخصومتهم بلغت حينها المحاكم، فقام إليه أبو حقيل لما رآه يريد الانفراد به، وتحدث معه قليلا، ثم عاد واستأذن منا فسأله بعض إخوانه، فقال فلان في مأزق ويريد فزعتي، فلامه بعض إخوانه وقالوا: لا تترك عشاءك لأجله، وهو ما يستاهل الفزعة. لكنه لم يرد عليهم، ولم يكمل عشاءه، بل غسل يديه ولحق بالشاب، ولم يرجع حتى أنهى مشكلتهم. ولما نوقش بعد رجوعه قال: الخصومة بيننا وبينهم شيء، وطلبهم فزعتنا في مشكلتهم شيء آخر، وهو قصدني فلا أخذله وأنا قادر على نصرته. وأخبرني عمي سليمان أن الذي فزع معه الوالد عاد عليه بالخصومة مرة أخرى، وذكرته في خضم المشاكل بمساعدته له فقال: يا سليمان والله ما ندمت على مساعدتي له. وهذا خلق عالي، ونفس زكية، ترجو ما عند الله وأن الاعمال بالنيات، وما كان لله فإنه لا يضيع.
أخبرني عثمان عبد المحسن فقال: “أبو حقيل محبوب في الأسرة، ما عنده تكلف، أول ما تراه عيناك تحبه، عنده ملكة في جذب الناس إليه، ويملك ابتسامة ساحرة، وعنده تبسيط الأمور في كل شيء، ولا يزمل ولا يقلق حتى لو دخل في الأمور العظيمة، والعجيب حتى لو كانت المناسبة كبيرة فإنه يكلمك ويخاطبك كأنك لوحدك من غير قلق ولا ارتباك بوجود المناسبة، وعنده ملكة في التعامل مع الصغير والكبير، كان يتعامل مع الشخص على قدر عقله، لا على قدر جاهه ومنصبه.
وكان أبو حقيل من أفضل الأشخاص الداعمين لنا معنويا ً أيام المخيم، وأقرب شخص لنا من الكبار، يرفع المعنويات، وتخرج من جلسته وهمتك عانقت السماء، وكان يناقشك بعقلانية، ولو كنت صغيرا، ولايجادل، ولاتكاد تناقشه حتى تخرج بفائدة وطيب خاطر، أجمع على حبه كل من في المخيم”.
قلت: كان رحمه الله مهتما بتعليم أولاده وتشجيعهم على الثقافة والعلم والتجارة، وكان لا يسمح بالغياب في المدارس النظاميه مطلقا إلا للضرورة القصوى، أخبرني إبراهيم المحمد فقال: كنت في مرحلة الشباب أيام المخيم كثير التردد على الحاير، وكنت أحيانا أزور أبا حقيل في الصباح الباكر والشباب نيام، فأجده مع بنياته الصغيرات يذاكر لهن، ويتابعهن في واجباتهن، ويشجع من تنجز منهن، ولست أتعجب من صبره على ذلك مع أن غالب النجديين لا يصبرون على تدريس أولادهم الصغار، بل كنت أتعجب من استمتاعه بذلك، ولا أدري هل فعلا كان يستمتع بذلك أم يظهر ذلك لئلا يضجرهن.
ويشهد لذلك ما أخبرتني به إحدى أخواتي: أن من عادته مراجعة الدروس لنا حتى أنه في يوم من الأيام رجع من الورشة في المجمعة وقد بلغ به التعب مبلغا كبيرا، وكان عندي اختبار في الغد، ونسيت الكتاب في المدرسة، فلما رأيت الوالد أخبرته الخبر، فرجع من فوره إلى المجمعة، وأخذ كتاب صديقتي وصوره، وأتى به وجلس يذاكر لي حتى الساعة الواحدة في الليل، ولم يهملني أو يعاتبني أو يلوموني.
وكان حليما رحيما، يلاعب أحفاده ويصبر على إزعاجهم، وربما تضجر الجالسون من إزعاجهم وهو يحلم بهم، وربما أكلوا طعامه ولا يغضب ولا يزجرهم، وأخبرتني إحدى أخواتي: بقصة عجيبة وهي أن الوالد طلب مني الشاهي، فأعددته، ولكني كنت منشغله في شيء، فقدمته له، ثم لاحظت أن الشاهي خفيف جداً، فقلت: كأنه خفيف، قال: لا، زين، وهذا الذي يعجبني، فلما نظرت إلى الغلاية عرفت أني لم أشغلها، وأني قدمت له الشاهي باردا، ولم يقل لي أي شي مراعاة لخاطري، ولا أراد أن يحرجني باستبدال الشاهي، بل شربه ماء باردا فيه ورق شاي، وهذا من حلمه بي، ولو أن أحد أولادي فعل مثل هذا بي لزجرته وقرعته وأدبته.
كان والدي يجبر الخواطر بلطفه، ويزرع الفرح في القلوب بطيب قلبه. تروي إحدى أخواتي قائلة:كنت أنا وأختي الأخرى في المرحلة الابتدائية، وحان موعد استلام الشهادات. وعندما استلم أبي الشهادتين، كانت مع إحداهما هدية لأختي؛ لأنها حصلت على تقدير ممتاز. فلم يعطنا أبي الشهادتين فورًا، بل توقف عند أحد المحلات، ودخل ليشتري هدية لي، جابرًا بخاطري الصغير. وبعد أن عاد، قدم لنا الشهادتين مع الهديتين، وكأن كل واحدةٍ منهما جاءت بهديتها من المدرسة نفسها. كان موقفًا عظيمًا لا أنساه ما حييت؛ موقفًا علّمني أن جبر الخواطر لا يكلف مالًا كثيرًا، لكنه يترك في القلب أثرًا لا يزول.
وكان والدي كريما على قلة ذات اليد، فلا يمر به أحد إلا ضيفه، ولا سائل يسأل إلا أعطاه ما تيسر ولا يرده، وكان من عادته فتح البيت للعابرين من الطريق للضيافة وخاصة بعد صلاة الجمعة، حيث يجتمع إخوانه وأولاده وأحفاده، ويحرص على الغريبين الذين يصلون الجمعة، فيعزم عليهم بالضيافة، وكانت عنده كلمه خالده رحمه الله بعد الجمعة، فيقول للجميع: إذا تسننتوا فاقلطوا، يجهر بها في المسجد قبل خروجه.
ومن عادته يوم الجمعة بعد الصلاة، أنه يصلي معنا رجل من أهل البادية يقطن في العطينة، وعنده قطيع من الأغنام، فيعطيه أكل للأغنام من الخبز ونحوه، وكذلك يعطيه مبلغ من المال حسب ما تيسر، وكانت عادة له. وكانت هذه من المهام التي أسندها الوالد لي.
وكان يعفو عن المعسرين والموسرين، وأخبرني أخي حقيل وكان حاضر القصة أن والدي مزق أوراق ديون الورشة التي يطلبها من الناس، وقد بلغت قرابة مليون وثلاثمائة ألف، وقال: هذه لله تعالى. وهذا من تفريج الكرب للناس ومن الأعمال الجليلة.
وأخبرني عثمان عبد المحسن فقال:”كان أبو حقيل سمحًا في التجارة، ينطبق عليه حديث المصطفى ﷺ: (رحم الله امرأً سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى).إذا أخذت من سلعته تباركت، وصار فيها رزق للإنسان من سماحته.
أجمع على محبته البادية والحاضرة، وكان باب رزق لكثير من أهل البادية؛ يتدينون منه، ويعرفون أن من طبعه التجاوز عن الضعيف والمنكسر، وهو يعرف ذلك، وليس يخدع، ولكن لطيب قلبه، وحسن ظنه بربه. وأذكر قصة أن أبا حقيل سلّف شخصًا مبلغًا يعدل ثروة في وقتنا هذا، فلما علم بضعف حاله وانكساره، تجاوز عنه وعفا.”
وكان الوالد رحمه الله لديه في المواقف الصعبة والمصائب رباطة جأش وثبات، وهذا يرجع للعقيدة الصحيحه والإيمان. وأخبرني إبراهيم المحمد فقال: “في اليوم الذي وقع فيه الحادث على عثمان وطالب رحمهما الله تعالى اتصل بي أبو حقيل بعد العشاء وأنا أتهيأ للنوم، وقال لي: أريدك أن تحضر الغد، قلت: لماذا؟ قال: ضروري جدا، فلما ألححت عليه قال: العيال صار عليهم حادث، وإن شاء الله إنهم في خير. ثم ختم مكالمته بقوله: حاول يكون حضورك قبل صلاة الظهر. فعلمت أنه الموت. وكان ثابتا لم يتضعضع.. ثم بعد حضور الجنازة والدفن رجعنا إلى الحاير، فلما جلسنا على الغداء كان الصمت وتذكر الشباب يخيم على الجميع. فكسر أبو حقيل حالة الصمت هذه وقال: انظروا إلى عظمة الإسلام والإيمان بالقضاء والقدر، ندفن موتانا ثم نعود ونتغدى سويا، الله يتم نعمته علينا، ثم تجرئوا على الحديث حين كسر صمتهم، وأدلى كل واحد منهم بدلوه. ولذا لم أعجب حين حدثني سعود أن أباه رابط الجأش في مرضه، راضيا بقدر الله تعالى، مستسلما لأمره؛ فذلك طبع رأيته فيه من قبل”.
وأخبرني عثمان عبد المحسن فقال:” كان أبو حقيل والوالد عبد المحسن مشتركين في زراعة القمح في مزرعة الحمادة، وكان من أفضل المحاصيل إنتاجًا شكلاً وكثرة، ولم يبق على حصاده إلا قرابة أسبوعين، فقدر الله بسحابة فيها برد فأهلكت جميع الحرث، وذهب جميع المحصول، وكأنهما لم يزرعا القمح. وكان أبو حقيل صابرًا محتسبًا، وكأن شيئًا لم يحصل له، حتى يخيل إليك أنه لم يزرع قمحًا أصلًا. ومن القصص عن حلمه، أن أبا حقيل كانت عنده مجموعة من الأغنام في العبلة، ووافقت سنة فيها ضعف إقبال الناس على شراء الأغنام، وقلة القيمة السوقية، فاتفق أبو حقيل مع الوالد عبد المحسن أن يأخذ كل فترة شيئًا من الأغنام ويبيع ما يقدر عليه في السوق. حتى جاء ذلك اليوم قرابة المغرب، جاء اتصال على البيت، فرفعت السماعة وكنت في المتوسط تقريبًا، فقال لي: أخبر الوالد لا يجي بكرة يأخذ شيء من الغنم تراي بعت الغنم، قلت له: أبشر. ثم نسيت أن أخبر الوالد. ومن عادة الوالد أن يأخذ الأغنام في الصباح ويبياعها في السوق، فأسقط في يدي، وانحرجت، وأصابني القلق، فاتصلت على أبي حقيل لأعتذر، وأخبرته أنني نسيت أن أخبر الوالد. فلم يقل لي شيئًا، إلا أنه قال: لقد أعطيت المشتري كلمة، لكن بما أن الأمر حصل وانقضى، فالأمر سهل. لم يعاتبني ولم يزجرني، بل أخذ الأمور بسهولة، مسلماً ومؤمنًا بقضاء الله وقدره. وكان يحتوي الناس في المواقف، ولو كانت هذه القصة مع الوالد لزجرني وأدبني.”
قلت: وابتلي والدي بأمراض عدة: كان رحمه الله منذ وعيت مريضا بالضغط والسكر، وكان يقول لي: السكر عدو عاقل، وكان من صبره أني ما سألته يوما عن أخباره في أي مرض يصيبه، وحتى ولو كان يتألم إلا يحمد الله تعالى ويثني عليه، ولم أسمعه في حياتي يوما يتشكى إلا في المرض الذي مات فيه، وقد انتشر به السرطان، وكان يوعك وعكاً شديدا فقلت له: شلونك اليوم، شكلك تعبان؟ قال: أي والله إني تعبان، وكان في صوته نبرة ألم وتوجع، وهذه أول مرة أسمع والدي يقول إني تعبان أو يتشكى”. وابتلي والدي بالفشل الكلوي فجلس سنوات يغسل للكلى وكان لا يظهر الجزع، مسلماً الأمر لله تعالى، صابرا محتسبا، وقال لي مرة بالعامية: نحمد الله مثل ما داومنا أول حياتنا نداوم آخر حياتنا، وهذه قمة الرضاء بقضاء الله تعالى. ثم ابتلي بفيروس الكبد الوبائي فذهب إلى الصين لزراعة الكلى ثم بعد الفحوصات أخبروه أن الكبد ضعيفة قد لا تقوى على زراعة كلية، فلا بد من زراعة الكبد فأخبر أخي سعود -وكان مرافقا له- الوالد الخبر فقال بكل ثقة وإيمان ومن غير جزع: نزرعهم جميع، إن عشنا الحمد لله، وإن متنا هذا أجلنا، وتكللت العملية بالنجاح وشفي من الكلى والكبد، ولكن مات بعدها بسنة بالسرطان.
من لم يمت بالسيف مات بغيره – تعددت الأسباب والموت واحد.
وكتبه ابنه:
حسان بن حمد بن عبد الرحمن الحقيل
11-5-1447هـ

