الأديب الشاب أحمد بن إبراهيم الحقيل

تاريخ الميلاد: 1376هـ
مكان الميلاد: الحائر
تاريخ الوفاة: 1401هـ
التعليم:
المهنة:
مولده ونشأته وحياته
ولد أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد العزيز بن محمد الحقيل في بلدة الحائر. وهي بلدة ريفيةٌ وادعةٌ بين الجبال يشقها واديها وادي الحائر. وهي دائما ما تضاف، فتسمى طوراً: حاير الحقلة مضافة للأسرة التي تقطنها، وتُسمى مرة: حاير سدير مضافاً إلى المنطقة. وتسمى: حاير المجمعة مضافة إلى المدينة الأقرب إليه.
وكان مولده في سنة 1376هـ وأمه هي: حصة بنت عثمان بن عبد العزيز الحقيل.
ذاق اليتم ولما يبلغ السادسة من عمره، توفي أبوه سنة 1382هـ. والتحق بمدرسة جوي الابتدائية فدرس بها وانتقلت أسرته إلى مدينة المجمعة فأكمل الدراسة الابتدائية في المدرسة الفيصلية، ثم التحق بالمعهد العلمي بالمجمعة وكان في جميع مراحله الدراسية من المتفوقين. حاز على ثانوية المعهد العلمي سنة 1395هـ ، عمل في العطل الصيفية أكثر من مرة في إدارة الأحوال المدنية وحرص المسؤولون فيها على استقطابه للعمل بها، فقد كان خطه جميلاً وتعامله راقياً مع المراجعين، فالتحق بها موظفاً فور تخرجه من المعهد العلمي.
التحق بجامعة الإمام كلية اللغة العربية منتسباًً فيما كان يعمل موظفاً في الحوال المدنية، ثم انتقل سنة (1398هـ) إلى إدارة التعليم بالمجمعة، ولم يطل ذلك فقد داهمته المنية في حادث سيارة وهو في طريقه من الرياض إلى المجمعة ليلة الأربعاء الثاني من شهر رجب من سنة ألف وأربع مئة وواحد من الهجرة 2/7/1401هـ وكانت وفاته صدمة كبيرة لمحبيه ومحبي أدبه. وكان عمره إذ ذاك ستٌ وعشرون سنة.
أخلاقه
قلمَّا تجد من يثلبه حتى وان كان مختلفًا معه، وكان محبًّا لجميع من حوله، لا يبخل عليهم بما يستطيع، وبلغ الغاية في الكرم، فما يبخل بما معه على من يطلب منه شيئاً، فكثير مِن دَخْله يذهب لهذا وذاك، غير عابئ بالمال وجمعه، مع أن هذا أثَّرَ عليه في حياته.
قال الأديب المبرِّز أحمد عبد الغفور عطار:” أمَّا خلائق أحمد الحقيل الإنسانية فهي من كرام الأخلاق ومن أعظمها: شجاعة في ابداء رأيه دون أن يدخل الهوى إليه، كان كريماً سخياً “. ويذكر العطار موقفاً حصل؛ وهو أن العلامة عبد الخالق عُظيمة زاره أحمد في القاهرة، وهو ومن طُلابه ومُريديه، وذكر أحمدُ أن لديه نسخةً من كتاب الصحاح الذي حقَّقه العطار، وهي هديةٌ من العطار إلى عُظَيمة. فكتب عظيمة إلى العطار شاكراً ومقدراً. فقال العطار له إنها ليست هديةًٌ مني، بل هي هدية من أحمد الحقيل.
ويقول الأستاذ عبد الرحمن المعمر:” كان شاباً لم يصل الثلاثين، ولكن ليس فيه نَزَقُ الشباب، وطيش المبتدئين، وغرور الناشئين من الأدباء، بل كان واسع الاطلاع إنساني التفكير”.
كان رحمه الله كريماً يصل كرمه إلى حد السَّرف. كان يعطي مَن قَصَده مهما كان ولا يأخذ ما يُثبت حقه، لذلك مات مُعدماً لا يملك من حطام الدينا شيئاً.
كان ضحوك السن بشوشاً لكل من قابله صغيراً أو كبيراً. لا يحمل الحقد وليس في أخلاقه الحسد. غير عابئ بالمظاهر، فعندما يذهب الى زيارةِ أديبِ أو مسؤولِ لم يكن يخفي سيارته الونيت.
ولم يكن ممن يسكت عن حقه، ولا غضاضة في ذلك، وفي حادثة يستذكرها كثير من أهل بلدته كان له مشكلة مع صاحب الأرض التي استأجرها وأقام عليها مصنعاً للبلك، لم يعبأ القاضي بهذا الشاب المجهول فحكم عليه فوراً وبالغ في إيقاع الحكم عليه، لكن القاضي رحمه الله صُعِق لما وصلته صورة شكوى منه مقدمة لسماحة رئيس مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل، صُدم مما فيها من حجج ونقول من كتب الفقه التي هي مرجع القضاء، ولم يلبث أن تحول الطالب مطلوباً، وأعاد القاضي النظر في القضية من جديد وقد تغيرت نظرته لهذا الشاب.
قراءاته
منذ عرفته والقراءة ديدنه، فعندما كنا في بيت واحد كانت غرفته في الدور الأرضي، وكان يروقني منظرها، حيث كسا الجدران بصفحات الصحف التي كان ينتهي من قراءتها، وأظنه إذا انتهى من قراءة صحيفة ألصق الصفحات التي تعجبه أو يريدها على الجدار، ومع الأيام أصبحت الجدران مكسوة بأوراق الصحف. كنت أراها وأتمنى أن أقرأ ما فيها. هذا الشغف بالقراءة والاطلاع انسحب عليه في جميع مراحل حياته.
قال أحمد عبد الغفور عطار:” ولكن الغريب في أحمد الحقيل الذي قرأ خلال عمره القصير آلافاً مؤلفةً من الكتب ………… فندر مثله في القراءة والعبقرية. وأشهد أنني لم أجد بين الرواد في المملكة من يدانيه اطلاعاً”.
ثم عدَّد عطار بعض الكتب التي قرأها، فقال: وقرأ في علوم الدين والعربية كثيراً، قرأ مئات الكتب، ويكفي أنه قرأ في التفسير: تفسير ابن كثير والزّمخشري وأبي حيان، وفي شروح الحديث شرح البخاري المسمى فتح الباري، وشرح صحيح مسلم للنووي، كما قرأ كتب الفقه في مذاهبه الأربعة وفقه الظاهرية والزيدية، ويحفظُ من الشعر قديمه وحديثه مئات القصائد والمقطوعات …………. وعجبتُ من قراءته الواعية للمُحلّى ولِمَا طُبِع له – يعني ابن حزم – من المؤلفات مثل: الرد على بن النغريلة”.
يقول الأستاذ عبد الرحمن المعمر: كان يقرأ ويقرأ ويقرأ، لا يُشغله عن ذلك مالُ ولا بنون، فلا تراه ألا متأبطاً كتاباً يقرأه، أو ناشراً صحيفة، أو يكتب رسالة. يقرأ كثيراً ويكتب قليلاً”.
وأقول: إنه كان نهماً، يقرأُ كل ما وقع في يده، مع فهمٍ وإدراك. لقد قرأ الكثير من كتب التراث العربي في جميع الفنون. وقرأ الكثير من كتب المُحدثين ككتب الرافعي والمنفلوطي والعقاد وطه حسين وجبران ونعيمة وغيرهم الكثير. كما قرأ كثيراً من الكتب المترجمة من اللغات الأخرى. وجمع مكتبةً تزيد على خمسة آلاف كتاب. ولذلك قال العطار: “وما سألته قط عن كتاب أريد أن أقتنيه إلا وجدته فيه مكتبته قد قرأ واستوعب ما فيه”.
وشهدتُه كثيراً من أيامه لا يخرج من المنزل، بل هو في قراءة مستمرة، وكنت أستغرب من قدرته – وأنا صغير – انكبابه على هذه الكتب المجلدة يقرأ فيها ليل نهار. ولشدة نهمه في القراءة خصَّصت المكتبة العامة في المجمعة غرفة خاصة له، خصصها أمين المكتبة رحمه الله ليقرأ ويطَّلع دون ازعاج، ولتمكث الكتب التي يقرأ فيها مكانها.
وقراءاته متنوعة جدًّا، ففي أول إدراكي كان كثيراً ما يقرأ الصحف والمجلات، الجيد منها وضدِّه، ثم بدأ حماسه بعد سنوات يفتر في قراءتها، وانصرف كلية إلى قراءة الكتب الجادة، مع أن في مكتبته كثير من الروايات المتنوعة لكني لم أره يوماً يقرأ فيها.
وكان رحمه الله يتبرَّم ممن يزوره في مكتبته في بلدته الهادئة “الحائر”؛ لقطع الوقت، وتزجيته بالحديث، فكتب ورقة وألصقها على بابها منعاً لهذه العادة التي تُذْهب وقته هدراً.
وحدَّثني ابن العم الأستاذ: محمد بن سليمان بن حمد الحقيل وهو من أصدقائه المقربين، وكان يتوسم فيه الهمة العالية، أن أحمد كان يُلحُّ عليه في القراءة الجادة، ويعطيه بعض الكتب ويطلب منه أن يقرأها.
كان يحب أن يرى كثيراً من حوله يقرأون، ويحثهم على ذلك، وأذكر مرَّة وأنا في صيف سنة 1397هـ كنت في الرياض مقيماً عند عمتي أم يحيى رحمهما الله، فجاء في الليل وأنا نائم، فلما صحوتُ وجدته مع عمتي يتناولان القهوة، فأخذني معه لمَّا خرج، وذهبنا إلى مكتبة عكاظ في شارع التلفزيون، وأطلق لي الحرية في شراء الكتب التي أريدها، كنت صغيراً تروق لي قصص الأطفال المزخرفة، فأخذت بعض القصص التي كانت تصدر صوتاً عند فتح غلافها، وبالطبع كانت قصصاً تافهة، لم يوافقني على هذا الاختيار، واختار بعض الكتب لا أذكر منها الآن إلا مجموعة من قصص محمد موفق سليمة، ومجموعة من قصص عبد الكريم الجهيمان رحمهما الله.
مراحل حياته الفكرية
على قِصَرِ حياته رحمه الله فقد اكتفها تحولات عديدة، نستطيع أن نقسمها إلى عدة أقسام:
- مرحلة التديُّن
سيطرتُ عليه هذه المرحلة في آوائل المراهقة، كان فيها محافظاً شديد المحافظة، حتى أنه أمَّ المصلين صلاتي التراويح والقيام في رمضان، وفي هذه المرحلة انصرف للقراءة في كتب العلوم الشرعية، القديم منها والحديث، استمرت هذه المرحلة سنتين، دخل بعدها في أزمة في آواخر السنة الثانية الثانوي، أثَّرت على تحصيله الدراسي حتى نجح بمستوى دون المأمول منه، ضايقه هذا الأمر.
وفي هذه المرحلة أخذني بيدي وأنا في الصف الثاني ابتدائي ولم نقف إلّا عند الشيخ سليمان بن عبد الله العسكر(ت 1403هـ) في مسجده، وكان رحمه الله يعلِّم القرآن للصغار والشباب احتساباً، لم تكن لدي رغبة، لكنه هددني بأنه سيخبر والدي إن تهرَّبت، وكنت أعرف يقيناً العقاب الذي سأناله من أبي رحمه الله إن تخلفت عن الحلقة، واضبت في الحضور يومياً للحلقة، حتى داهم المرض أبي رحمه الله، وانشغل بنفسه، وانشغل العم أحمد بأعماله الأخرى فانقطعت عنها، وكنت أنهيت جزء “قد سمع”.
لعل ما أثَّرَ عليه في هذه المرحلة حتى خرجَ منها أنه لم يجد مُوجِّهاً، فلم تكن في المجمعة دروس علمية، ولا حِلَق عِلْم، ولا طالب علم يُعنى بهؤلاء الشباب يمكن أن يواصل مسيرته معه. ولعل سلوك الناس سبب له نفرة، حيث أن سلوكهم لا يتفق مع أقوالهم. وفي هذه المرحلة بدأ في تأليف كتابه “سلمان الفارسي”.
- مرحلة القراءة الأدبية الجادة
انصرف في الصف الثالث الثانوي إلى القراءات الأدبية الجادة، وأصبحت علاقته مع كتب أساطين الأدب وثيقة خاصة محمود العقاد، وهذه المرحلة أثرت في حياته تأثيراً كبيراً، وأنتج في خلالها عدداً من المقالات الأدبية والنقدية، ونسج علاقات واسعة مع كثير من الأدباء داخل البلاد وخارجها.
- المرحلة التأملية
يمكن أن نطلق عليها هذا الوصف، حيث بدأ في القراءة الفلسفية والصوفية، بعد أن تشبع في المرحلتين السابقتين شرعيًّا وأدبيًّا، لم يكن تأثير هذه المرحلة كبيراً على حياته لأنها لم تستمر طويلاً، فقد توفي رحمه الله ولم يقطع من هذه المرحلة إلا سنة ونيف. من نتاج هذه المرحلة كتابه “الرذاذ”، نثر فيه رؤيته للحياة والناس.
وحدثني صديقه وزميله الأستاذ: عبد المحسن بن إبراهيم اللعبون أنهما كانا في اختبار مادة القراءة في المرحلة الجامعية آواخر سنة (1400هـ) وكان يدخل على لجنة اختبار القراءة من كتاب مختار طالبان، فلما دخلنا قرأَ أحمد فسألته اللجنة، وأعجبهم سَعَة علمه، سأله أحدهم: ما هو اتجاهك المعرفي؟ أجاب إجابة أدهشتهم، فقال: فلسفي بحت.
ورغم كل هذا التجاذب الفكري الذي طرأ على حياته القصيرة كان يقرأ كثيراً من كتب التراث، وتضم مكتبته معظم الكتب التراثية المطبوعة في ذلك الوقت، ففيها كتب العقائد والتفسير والحديث والفقه واللغة والأدب والنقد، بل إننا نستطيع أن نجزم أن هذه الكتب تطغى على الكتب المعاصرة. وكان على اطلاع كبير بالدراسات الحديثة في العلوم المختلفة. حدثني الأستاذ: عبد المحسن اللعبون أنه كان حاضراً محاضرة مادة البلاغة – وقليلاً ما كان يحضر – وفيما كان الدكتور: درويش الجندي يحاضر على طلابه رفع أحمد إصبعه مستأذناً، وقال: هذا الكلام الذي تقوله ليس كلامك. رد الدكتور مُحْتدًّا: إذا لم أكن هو فمن يكون؟ قال أحمد: هذا كلام الدكتور درويش الجندي. فانبسطت أسارير الجندي وقال: أنا درويش الجندي.
أثاره
توفي رحمه الله في ريعان الشباب، لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره. فلم يُقدّر له أن يُخْرج ما كان في جُعْبته. وكل ما صدر له كتابٌ واحدٌ ومقالات كثيرةٌ. تجد في نتاجه الذي طُبع نُضْجا وعمقاً فكرياً، وثراء لغوياً، على الرغم من إن الكتابة الناضجة المتزنة لا تصدر في هذا السن إلَّا من النابغين الذين سبقوا أعمارهم بعقولهم وقليل ما هُم. وسنذكر أثاره التي وقفتُ عليها:
- كتاب سلمان الفارسي
- كتابُ من ثلاثة أجزاء، صدر منه الجزء الأول أواخر عام 1400 هـ في بيروت وهو كتابٌ يتناول حياة الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه من زوايا مختلفة، ويعنى بتحليل مواقفه وأقواله. ويمتاز هذا الكتاب بما يلي:
- حسن التبويب: وذلك أنه درس حياة سلمان وقسمها إلى فصول، فكل فصلٍ يدرس مرحلة من حياة ذلك الصحابي الجليل، ويحلل أقواله ومواقفه.
- المناقشة العقلية: ناقش الكثير من حجج أهل الاهواء مناقشة عقلية مع توثيق ذلك بالنقل فتم تمازج بين العقل والنقل.
- جودة الطباعة وحسن الإخراج: من يرى الكتاب يجد أن اخراجه وطريقة صف حروفه وغلافه جذابة ورائعة مما أضفى على الكتاب روعة بالإضافة إلى روعة محتواه.
- كتابُ من ثلاثة أجزاء، صدر منه الجزء الأول أواخر عام 1400 هـ في بيروت وهو كتابٌ يتناول حياة الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه من زوايا مختلفة، ويعنى بتحليل مواقفه وأقواله. ويمتاز هذا الكتاب بما يلي:
- الرَّذَاذ
- كان اسمه ” إلهي” ثم أبدله إلى هذا العنوان. وكان أعده رحمه الله للطباعة. بدليل أنه فُسِحَ من وزارة الإعلام، ولكن لم يمهله قضاء الله فقضى نحبه قبل أن يراه مطبوعاً.
- وهذا الكتاب مجموعةٌٌ من الخواطر التي دوَّنها رحمه الله في أوقاتٍ مختلفة.
- دراسات في الأدب السعودي
- كان رحمه الله قد بدأ في إعداده وجمع مادته؛ لكن المنية عاجلته. أنجز منه بعض الدراسات عن بعض الأدباء والشعراء السعوديين وهم: محمد حسن عواد، حسن سرحان، إبراهيم العواجي.
- وما أنجزه يدل على استقصاء أثار الأدباء وتتبعها في مضانها، فهناك قصاصات من صحف: صوت الحجاز، وأم القرى، وقريش، والمنهل، واليمامة، وغيرها وهي تحوي أثارا لمن ألقى عليهم الضوء.
- مقالات
- وهي كثيرةٌ ولكن للأسف لم يكن يهتم بجمعها وحفظها فضاع معظمها ولم يبق إلا نزر يسير.
رسائله
كم أعجب وأنا أقلب في ملفات رسائله، ففيها كمٌ هائل من الرسائل رغم ضياع بعضها. وهذه الرسائل مع أدباء معروفين ومسؤولين وأقرباء وأصدقاء: فمن الأدباء: عبد العزيز الرفاعي، أحمد عبد الغفور عطار، عامر العقاد، ميخائيل نعيمة، صالح جودت، عبد الرزاق نوفل، إبراهيم العواجي، مجيب المصري وأحمد الضبيب وغيرهم.
يقول العطار عن رسائله:” …وما كان نعيمة لينفق وقته الغالي الثمين في إجابة أحمد الحقيل على رسائله لو لم يكن قمينا بها”.
ويقول أيضا:” ورسائله ذخيرةٌ أدبيةٌ وأسلوب أحمد في رسائله أسلوب أدبي رفيع مشرق ……وهي رسائل آية في روعة الأسلوب والفكرة. إن رسائل أحمد الحقيل من أعظم أدب الرسائل”.
وتمتاز كتاباته بالأسلوب السلس المسمى بالسهل الممتنع. قال الأستاذ عبد العزيز الرفاعي: لقد استشففت من خلال رسالتك نفس طموحة وهمة عالية، ولغة سليمة، وأسلوباً قويماً”. وقال العطار:” ………. فإذا أسلوبه رائع، ولغته سلمية، بل كانت ثروته اللغوية طائلة. أما أفكاره فهي قويةٌ مع غزارتها وسموها”.
ويقول المعمر: كان وثيق الاسلوب إذا كتب”. وكل قارئ لكتابه هذا او غيره من كتاباته يجد ذلك لا يلاحظه فقط.
وكان يميل إلى الإسهاب في رسائله، لعرض فكرته أو ما يدور في خاطره، وعندما سألت الدكتور: أحمد الضبيب عنه، قال: “أحمد صاحب الرسائل الطويلة”.؟ وأفضل بأن أعطاني نسخة مصورة من رسالتين وصلتا إليه منه.
قبس من ذكرياتي
لم تكن علاقتي بالعم أحمد علاقة قرابة وحسب، فهو قبل أن يكون أخاً لوالدي من الأب وأخ لأمي من الأم بلغت علاقتي به والالتصاق به درجة الأخوة، فكنت أسميه أخي، وكان والدي رحمه الله ينهاني عن مناداته أخي، أما هو وشقيقه عبد العزيز فكانا يعاملاني معاملة الأخ، مع أني أصغرهما. وحتى توفي كنت أناديه “أخي”، وإذا تحدثت عنه قلت: أخوي أحمد.
في بعض المرات أرغب في شراء شيء مما يشتريه الأطفال فأتحين خروجه من المنزل وقبل أن يركب سيارته أطلب منه بعض المال، كان لا يسألني، بل يضع يده في جيبه ويعطني ريالاً أو أكثر، وهذا غاية أماني في تلك الساعة.
وفي يوم من الأيام كنت بجواره وهو يهم بالنزول من سيارته، فمر بنا رجل أصابه خلل في عقله سببه مرض نفسي، فكان كثير العبث، ويلاقي من الناس عنتاً؛ لأنهم يعاملونه كالمجنون، فدعاه إلى الدخول، فأسرع ودخل، وكان في المجلس مجموعة من أصدقائه، فلما دخلنا تحفز الموجودون للعبث به كعادتهم، لكنه لم يعبأ بهم، وجلس الجميع وفي ذهابي وعودتي بالشاي رأيته رجلاً آخر ليس كالذي عرفته، تحدث عن ذكرياته في أول شبابه عندما ذهب للعمل في سكة حديد الرياض الدمام، وكيف كان الأمريكان يتعاملون معه، وحرصهم على تعليمه اللغة الإنجليزية، التي رطن بها ولم أستيقن إن كانت صحيحة لأني أجهل هذه اللغة حتى الآن، ورأيته يتحدث عن أول إحساسه بالمرض الذي ألم به، وسبب الرئيس لهذا المرض. رأيته رجلاً آخر، بفعل أحمد، وكثير من هؤلاء بلاؤهم من المجتمع أكثر من المرض.
كان آخر مرة سمعت فيها صوته فبل أن ينطلق من الرياض ليلة وفاته، وكنت طلبت منه رحمه الله أن يشتري لي مسجلاً، فلما رن الهاتف وحادث أمي أخذت سماعة الهاتف وكلي لهفة للاطمئنان على هذا المسجل، وعدني أنه سيشتريه لي قبل أن يأتي إلى المجمعة.
سبحان الله في تصاريفه هذا الحادث لم يكن خطيراً، رأيت السيارة بعد عدة أسابيع من وفاته لم يكن ثَمّت حادثاً كبيراً، لكن أقدار الله تمضي في أونها. وهذه السيارة لم يكن مضى على شرائها ثلاثة أشهر فيما أذكر، كان اشتراها العم عبد العزيز من ابن خالته فهد بن عبد العسكر نائب رئيس الديوان الملكي الآن، ليخفف عن أخيه أحمد تعب الونيت الذي كان يتردد عليه للرياض كثيراً، فكانت منيته على هذا المركب الجديد، مع أن أكثر من حادث جرى عليه أخطر من هذا لكن يومه لم يحن.
كتبه: ابراهيم بن سعد الحقيل

