شيخة بنت عثمان بن عبد العزيز الحقيل (أم المساكين)

تاريخ الميلاد: 1352هـ

مكان الميلاد: حائر سدير

تاريخ الوفاة: 1430/7/27هـ

التعليم: -

المهنة: -

في ضحى يوم من أيام 1407هـ؛ أردت أن استأذن في المحاضرة الأخيرة لأدرك خالتي قبل الظهر، وأسررت إلى زميل لي بذلك، فقال: لا تفعل. فهذا الدكتور شديد ولن يأذن لك، وتُحرج أمام الزملاء، فقلت: سأقول شيئا يضحك القاعة، وسيأذن لي بإذن الله تعالى. رفعت يدي، فأذن لي الدكتور بالكلام، فقلت: أستأذنك في الخروج، قال: إلى أين؟ قلت بالعامية: بازور خالتي شيخة، فضجت القاعة بالضحك، وهو أيضا ضحك، ثم تأمل قليلا، وقال: زر خالتك شيخة، فخرجت. وصار الطلاب يعرفون أن خروجي في ذلك الوقت في بعض الأيام لزيارتها، فأحيانا أغيب عن المحاضرة الأخيرة، وأحيانا استأذن، ولا أستطيع زيارتها بعد الظهر لأني أحضر إخواني وأخواتي من مدارسهم، واتخذها بعض الطلاب طرفة يعلقون بها علي، ويقول في بعض الأيام: حان موعد زيارة خالتك شيخة.

كنت حينها أدرس في كلية الشريعة (1407-1410هـ) في شارع الوزير قبل أن تُنقل الكلية إلى المدينة الجامعية، وكانت خالة أمي شيخة بنت عثمان الحقيل تسكن في بيت في حي الطويلعة وسط الرياض مع زوجها وأولادها، أما نحن فنسكن في حي العليا شمال الرياض، فإذا أردت زيارتها كلمتها بالهاتف من المنزل، وواعدتها قبيل الظهر؛ لأخرج من الكلية وأذهب لزيارتها؛ لأن الطويلعة قريبة من شارع الوزير؛ إذ الحارات القديمة متقاربة. فتترك الباب لي مفتوحا وأناديها من عنده فتأذن لي بالدخول. فأدخل وأسلم عليها.

وفي يوم من الأيام قدم حقيل بن حمد الحقيل من الحاير إلى الرياض، وأخبرته أنني سأزورها، وهي أخت أمه من الأب، ولكن لصغره لم يتذكرها، وربما يعرف وجهها لكن لا يدري من هي، فرحب بفكرة الزيارة، وناديتها من عند الباب على عادتي، فرفعت صوتها تأذن لي بالدخول، وتخبرني أنها تتوضأ، فأخذنا موضعنا في مجلسها، وانتهت هي من وضوئها، وسمعنا صوتها وهي تذكر أذكار الوضوء بنفَس متقطع، فسولت لي نفسي أن أعمل مقلبا في حقيل، فقلت له: الظاهر إني غلطان، ليست قريبتك، فأحرج حقيل، وجحظت عيناه، وحذرم ببعض العتاب والشتائم، وكان في ركن المجلس فراش نوم إسفنجي مع بطانيته ومخدته قد أسند على الجدار، فسارع حقيل واندس تحته وخالتي في طريقها إلينا. وسلمت عليها وجلسنا وهي تسألني عن والدي وإخواني والأقارب، ثم قلت لها: ابن أختك حقيل الحمد أتى ليسلم عليك، قالت: الله يحييه، متى بيجي، فقلت: هو مندس تحت هذا الفراش، ولما سمعنا خرج وهو يتمتم بكلمات تنال مني، وعجبت خالتي من فعله، فأخبرها فضحكت، وقالت بعاميتها متعجبة: هو.. ما تعرف خالتك؟

وما زرت خالتي في حارة الطويلعة، ثم في حي المرسلات بعدما نقلوا إلى شمال الرياض، إلا ووضعت التمر والقهوة والشاي والمكسرات والبسكويت، وأمرت خادمتها أن تصنع العصير، وألحت علي أن أجلس لأتغدى معها، ولكني أعتذر بإحضار إخواني وأخواتي من المدارس.

وأخبرني ابن أخيها عثمان بن عبد العزيز العثمان الحقيل أنهم كانوا طلابا في الجامعة، فإذا زاروها ضحىً أمسكتهم رغما عنهم إلى الغداء، وإن زاروها عصرا حبستهم إلى العشاء، وتقول لهم: أنتم طلاب، ما عندكم أحد يطبخ لكم، وتتمنى لو أنهم تغدوا عندها كل يوم وتعشوا.

وما زرتها إلا وقالت: اصبر باشرط لك، وتشرط لي -والشرط عندنا حلوى وبسكويت ونحوها تعطى للأطفال- واستمرت على ذلك حتى نبتت لحيتي، وتزوجت وصار لي أولاد، فأقول لها: كبرت على الحلوى والبسكويت، فتقول: أعطه أولادك.. فلا أخرج من عندها إلا بهذا الشرط، وكذلك من حضر معي، صغيرا كان أم كبيرا، فهذه عادتها لكل من زارها، ويكون الشرط كثيرا مجزيا أحيانا، وأحيانا يكون قليلا بحسب ما عندها، وإذا كان الشرط للأولاد دفعت لي كرتون بسكويت، أو كيس حلوى كبير، فإذا قلت: كثير جدا، قالت: أخاف ما يكفيهم.

وتلك أيضا عادتها في الإطعام والصدقات، تبذل القليل والكثير، بحسب ما عندها، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تتصدق بالقليل والكثير بحسب ما عندها، وبعث إليها معاوية رضي الله عنها بمئة ألف درهم ففرقتها قبل أن تمسي، ونسيت أن تبقي درهما لفطورها وهي صائمة، وأحيانا تتصدق عائشة بتمرة وتمرتين وثلاث؛ كما في قصتها مع المرأة التي جاءت تسألها ومعها ابنتان، فدفعت إليها بثلاث تمرات. والنفس إذا اعتادت الصدقة، وتخلقت بالجود، وتحلت بالبذل؛ لا تمسك يدها عن قليل ولا كثير، ولا تستحي أن تقدم القليل إذا لم تجد غيره؛ لأن البذل سجيتها، وأكاد أجزم أن خالتي شيخة لم يمر عليها يوم منذ عرفتها لم تبذل فيه صدقة أو هدية أو إطعاما.

ولما سألت ابنها خالد عن صدقاتها قال: “أما الصدقات فحدث عنها ولا حرج مع أنها ليست ذات مال، وليس لها دخل دائم، ولكن فيه بركة عجيبة، وكان لا ينقص مالها مصداقا للحديث (ما نقصت صدقةٌ من مالٍ). وتحرص على تفريح الأطفال وذلك بتوزيع الأموال والحلويات والبسكويت عليهم عند زيارتهم لها. وبيتها مملوء على الدوام بأنواع الحلويات والبسكويت. وتتصدق على الخدم والسائقين والعمالة الذين يحضرون لبيتها مع زوار لها. وكان جيبها مملوء بفئات النقود للتوزيع، وإذا حصلت على مال طلبت مني أن أصرف بعضه عدة فئات (خمسات وعشرات) حتى تهدي وتتصدق على الدوام. وكانت تعرف بيوت المحتاجين والأرامل. ولما نقلنا من حارة الطويلعة القديمة إلى المرسلات في عام 1410هـ، طلبت الوالدة من أبي ألا يبيع البيت ولا يؤجره فوافق رحمه الله تعالى، فكان بيت الطويلعة منطلقها لتوزيع الصدقات في الأحياء القديمة على الأسر الفقيرة، وتضع فيه ما يلزم من تمر وأطعمة وألبسة وأغطية وغيرها، وتواعد الفقراء والأرامل فيه، وتمكث فيه أياما إلى أن تنهي توزيع ما لديها، لتعود إلى منزلها في المرسلات، وهكذا تفعل بين فترة وأخرى، ولا سيما في موسمي رمضان والحج. ولم نبع بيت الطويلعة إلا بعد سنوات عدة حين مرضت وما عادت تستطيع الذهاب إليه. وإذا طلب أحد إخواني أو أخواتي طعاما من مطعم لم تذقه حتى يعطى منه الخادمة والسائق قبلها. ولها طريقة في إكرام النعمة فبواقي الأكل لا ترميه، بل توزعه على المحتاجين وعلى العمالة. وكذلك الملابس المستعملة والأثاث المستعمل تنظفه وترتبه وتتصدق به على المحتاجين، ولها اتصال بكثير من الأسر المحتاجة في الأحياء الفقيرة بالرياض فكان كثير من الأقارب يرسلون لها الأشياء المستعملة لتتصدق بها عنهم لثقتهم بها. حتى عمال الحفريات الذين يشتغلون بقرب منزلها لا تتركهم، بل ترسل لهم الماء والشاهي والتمر وبعض الأكل وأحيانا شيئا من المال. وكانت تسعى في مساعدة المحتاجين من الأقارب خاصة، وغيرهم بشكل عام؛ وذلك بذكر حال الفقير للمتصدقين الموسرين. وكان المتصدقون يثقون فيها ثقة كبيرة، ويسارعون في دفع الصدقات لها لإيصالها للمحتاجين، ومن ذلك أنها أمنت لشاب قريب مني عريس جميع أثاث منزله تقريبا من المتبرعين المحسنين”. انتهى ما أخبرني به ابنها خالد.

وأخبرني ابن أختها الدكتور سعود بن حمد الحقيل، أنه زارها مرة، وجلس معها، فطرق الباب فأهرعت الخالة إلى الباب، ثم مرت علي في المجلس ونَفَسها يحفزها، فقلت لها: إذا كانت امرأة تزورك استأذنت وخرجت، قالت: لا، هذه امرأة لها ماعون عندي سأعطيها إياه وأرجع إليك، ودخلت فخرجت بأغراض كثيرة، فعلمتُ أنها تتصدق عليها، ولا تريد إخباري بذلك. وتكرر هذا في زيارة أخرى أيضا. انتهى.

ومن عجيب ما وقع لي معها أنها ذات مرة هاتفتني وهي تحبس عبراتها، وتتهدج في كلماتها، وقالت: مستحية منك يا إبراهيم، ولكن حدّني الأمر على ذلك، هذي وحدة أرملة وذات أيتام، طلعوها من بيتها بسبب عدم قدرتها على سداد الإيجار، وما عندي والله شيء وأنا خالتك، وهي ما علمتني قبل حتى أحتسب لها واجمع، فلعلك تلقى من يسدد عنها، وتيسر أمرها على يد فاعل خير، فكلمتني مرة أخرى وهي تبكي من الفرح، وتدعو كثيرا لي ولباذل المال.. تعجبت حينها أن حاجة المحتاجين هي حاجتها، وأنها حين تبذل ما تبذل لا تبذله بقلب جامد بارد، بل تعيش مع الفقير والمحتاج والأرملة واليتيم بكل مشاعرها، وإلا فلم البكاء وقت علمها بحاجة الأرملة؟ ولم البكاء بعد أن سدت حاجتها؟ رحمات ربي ورضوانه على ذلك القلب الحي.

وذكرت ابنتها الجوهرة حفظها الله تعالى: “أن أمها شيخة كانت حريصة جدا على الصدقة الدائمة، وتجد في ذلك سعادة عظيمة، ومما رأته منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • أنها كانت تُخرج كل يوم صدقة، فاذا لم يتهيأ لها الخروج من المنزل وقفت عند الباب، وإذا مر عامل وأحست أنه محتاج نادته وأعطته ما تيسر من المال.
  • كانت تحرص كل أسبوع أن تصنع طعاما كثيرا وتفرقه في أواني، ثم تأخذه مع السائق وتوزعه بنفسها على العمالة والمستحقين.
  • كانت أحيانا تطلب من الجيران أن يكلفوا سائقيهم بإحضار أشياء من البقالة، فعاتبتها على ذلك، وأخبرتها أنني وإخواني في خدمتها، ويجب أن تطلب منا ما تريد، لا من الجيران، فسكتت، ثم بعد فترة أخبرتني أن هدفها إعطاء السائقين ما يتيسر من المال؛ لأنهم محتاجون.
  • إذا أقبل الشتاء توصي من يحضر لها جاكيتات وفنايل وبطانيات بالدرزن فتوزعها على المحتاجين.
  • كانت تشتري كميات من التمر وتوزعها مع السائق على المحتاجين.
  • كانت لا تبقي من الأضحية إلا شيئا يسيرا، وتقسمها في أكياس وتوزعها على أكبر عدد من العمال.
  • كانت تشتري الماء صيفا، وتخرج في الظهيرة مع السائق، لتوزيع الماء على عمال النظافة وعمال المباني.
  • إذا بلغها أن أحد الشباب سيتزوج، وهي تعلم أنه محتاج للمساعدة جمعت له ممن تعرف ما يتيسر من المال وقدمته له معونة.
  • من مواقف أمي أيضا الله يرحمها يوم كانت تسكن في حي المرسلات، كان فيه عامل مصري مسكين ساكن في الحي، وفيه سمنه مفرطة، ويعاني من مرض في بطنه، وذهب للمستشفى، وقرروا له إجراء عملية تكلفه عشرين ألف ريال، وهو لا يقدر على هذا المبلغ، فاتصل بأمي وأخبرها بذلك، فقالت له: أبشر، ثم جمعت المبلغ من أولادها ومن بعض صديقاتها، واتصلت به وقت الظهيرة، وكان الجو حارا جدا، فلما جاء وفتحنا له الباب أعطته المبلغ كاملا، ومن شدة فرحته سجد لله تعالى شكرا على البلاط في الشمس، وأطال السجود، ونادتني أمي وقالت: أسرعي فقد مات العامل محمود، قلت لها: لا، لم يمت. سجد لله تعالى من شدة فرحه.
  • من عادتها أنها لا تزور أحدا إلا ومعها هدية مجزية.
  • أنها كانت تحفظ المعروف لأهله، وقبيل وفاتها أعدت هدية (نزالة) لامرأة كانت عزيزة عليها، وأوصتنا أن تصل إليها. وأخبارها وقصصها في عمل الخير كثيرة، هذا بعضها، رحمها الله وغفر لها”. هذا ما ذكرته ابنتها الجوهرة.

ووقع لي معها بعض المواقف في باب الصدقات، ومن ذلك أني زرتها مرة في آخر ذي القعدة، وقالت لي بحياء شديد: ودي أكلف عليك يا إبراهيم وأوصيك تحضر لي حاجات، فقلت: على الرحب والسعة، فكلفتني أن أحضر كيس سكر كبير (40 كيلو) وعدد من علب شاي اللبتون لا أتذكر عددها الآن، فلما أحضرتها لها، جاءت بأكياس سعتها تقريبا كيلو، وعبأت هذه الأكياس بالسكر، حتى كانت أربعين كيسا تقريبا، ووضعت في كل كيس عشر أو أكثر حبات شاي لبتون. وكانت توزعها في عشر ذي الحجة، تدور على عمال النظافة والسائقين وعمال المباني وتعطي كل واحد منهم كيسا. ولها أفكار كثيرة في الصدقة والبذل والكرم والإحسان لا تخطر على البال.

وذكر ابنها خالد حفظه الله تعالى أن والدته كانت واصلة للرحم، ويسافر بها من الرياض إلى سدير لزيارة إخوانها وأخواتها، خصوصا أختها الكبرى سارة التي كانت مريضة. وفي زيارتها لسدير تتفقد الفقراء من قرابتها، وتعطيهم المال، وتأمر ابنها خالد أن يذهب إلى السوق ويشتري لوازم البيت الأساسية، وتعطيها للمحتاجين منهم، كما أنها تأخذ رقم حساب من ترى أنه في حاجة وتأمر ابنها أن يحول له بين حين وآخر من مالها الخاص، أو مما تجمع من أموال معارفها من الصدقات.

ولما توفيت أختها الجوهرة زوجة أخي زوجها -سيأتي ذكرها- واظبت على الدعاء لها، والصدقة عنها، وأشركتها في أضحيتها، وطلبت من أولادها ذلك، فصار أولادها يشركون خالتهم الجوهرة دائما معهم في أضاحيهم. وذكر أن والدته كانت حريصة على التواصل مع جميع جيرانها، وتعاهدهم بالزيارة والهدية، فتزورهم ويزورونها، وهم يحبونها حبا شديدا، لحسن معاملتها لهم، وإحسانها إليهم، وتأثروا تأثرا شديدا بوفاتها.

قوتها في طاعة الله تعالى:

كانت خالتي شيخة معروفة بكثرة الصلاة والعبادة والذكر، ولم يشغلها إحسانها للفقراء والقيام على حاجات الناس عن تلك العبادات.

وذكر ابنها خالد حفظه الله تعالى: أن أمه كانت تتنفل بالصيام كثيرا، ولكنها ما كانت تواظب على صيام الاثنين والخميس، وحصل لأحد أبنائها موقف معها في عام 1408ه، وذلك أن ابنها عزم على صوم يومي الاثنين والخميس في بداية عام 1408ه من دون علم أمه، ولما علمت أشفقت عليه من الصيام لطول النهار وشدة الحر، واقترحت عليه ألا يصوم في شدة الحر رأفة به، وكان الابن محتارا هل يصوم ويعصي والدته أم يرضيها ويفطر، فورّى لها أنه لا يصوم، وهو يصوم سراً، فصار لا يفطر في البيت، بل يأخذ سندويتشات من البيت، ويقول إنه سيفطر في العمل، ثم اذا خرج من البيت تصدق بها على العمال، واذا رجع من العمل قال: إني تغديت في العمل، وبعد فترة وجيزة فهمت الوالدة ذلك، وقالت له: استمر على صيامك، ثم واظبت معه على صيام الاثنين والخميس حتى وفاتها.

وذكر أيضا: أن والدته كانت تكثر من الحج والعمرة، وحجت حججا كثيرة، يقول ابنها: منها ثلاث حجج كنت أنا محرما لها، وكانت تباشر مناسك الحج بنفسها، وترفض التوكيل في رمي الجمرات، مع أنها مريضة بالروماتيزم، وتتعاطى الحبوب المسكنة لها. واعتمرت كثيرا، ومن المواقف المتكررة في العمرة أنها إذا وصلنا للحرم، وقبل أن نتخذ سكنا تصر على النزول من السيارة للعمرة، ولو نزلت وحدها، من شوقها للحرم وأداء العمرة، وكنت أقول لها: كيف أجدك والحرم واسع، وليس فيه هواتف جوالة في ذلك الوقت، ولا تعرفين أين نتخذ سكنا، لكنها تسرع بالنزول وهي تقول: تلقاني إن شاء في الجهات القريبة من باب الفتح إذا أنهيت عمرتي. فأذهب واستأجر سكنا، وأوقف السيارة، وأغدوا للحرم أباشر عمرتي، ثم أبحث عنها قريبا من باب الفتح، ولا ألبث في البحث إلا يسيرا حتى أجدها، وتكرر ذلك معي كثيرا، مع أنه في بعض العمرات يكون الحرم مزدحما. ولا تركب عربية لا في الطواف ولا في السعي مع حاجتها لذلك، لكنها تعزم على المشي تريد الأجر.

تسامحها وطيبة قلبها:

كانت الخالة شيخة تملك قلبا طيبا متسامحا مع الآخرين، ومن عجيب ما وقع لي معها أنني زرتها مرة، ورأيت نعلا معلقا على بابها، فظننت أنه سقط من أحد أهل البيت، وأن من عثر عليه علقه على الباب ليجده صاحبه، فطرقت الباب ودخلت بالنعل، فلما رأته خالتي في يدي امتعضت وتمتمت بكلمات، وقالت: ما جا يأخذ نعاله؟ قلت: من هو؟ قالت: مسكين محتاج، تسور علي المنزل، فلما سمعته سألته: من أنت؟ فهرب مسرعا وتسلق السور، وسقطت منه نعلته، وناديته أُأمنه وأعده أنني سأعطيه بعض المال، لكنه خاف وهرب، فخرجت في إثره بنعله وبعض المال لكني لم أجده، ثم علقت نعله على الباب لعله يرجع ويأخذه.. ثم قالت: واخزايتاه.. مسكين جاء يرجو من بيتي شيئا، والآن هو بدون نعال.. ظنك معه شيء يشتري نعال؟ ليت من عرف مكانه وأعطاه ما يسد حاجته مع نعاله.

ومن تسامحها وطيبة قلبها: ما أخبر به أبنها خالد قائلا: “عملت الوالدة عملية في مستشفى الملك خالد للعيون في واحدة من عينيها لأزاله الماء الأبيض، وكان الطبيب أمريكيا، ففشلت العملية بسبب خطأ طبي من الطبيب، وضعفت العين كثيرا حتى إنها لا ترى بها الا قليلا، وكانت قبل العملية ترى بها جيدا، وأردت أن أرفع شكوى على الطبيب، فعلمت الوالدة بذلك، فأقسمت عليّ ألا أشتكي الطبيب، وقالت: قدر ومكتوب، والطبيب لم يتعمد ذلك، فامتثلت لأمرها على مضض”.

ولادتها وزواجها وأولادها ووفاتها:

الاسم: شيخة بنت عثمان بن عبد العزيز بن محمد بن حمد بن عثمان الحقيل.

والدتها: نورة العمر الواصل.

تاريخ الميلاد: 1352هـ.

مكان الميلاد: حائر سدير.

تاريخ الوفاة: 27/7/1430هـ

الزوج: عبد العزيز بن عبد الله بن محمد الثاقب.

الأولاد: ثمانية، أربعة أبناء وأربع بنات: حصة ولطيفة وعبد الله والجوهرة وعبد الرحمن وناصر ونورة وخالد. كما رزقت بأولاد آخرين ماتوا وهم صغار، جعلهم الله شفعاء مجابين.

وذكر ابنها خالد: أن أمه تزوجت بأبيه في سن مبكرة، وكانت أختها الجوهرة( ) متزوجة قبلها من شقيق زوجها محمد الثاقب، وسكنتا جميعا في بيت واحد في جلاجل، وكان لآل ثاقب مزارع نخيل كثيرة في جلاجل، والحياة كانت رغيدة، إلا أن دوام الحال من المحال؛ فقد حصل قحط في سدير، وقلت الأمطار في سنوات متتابعة في بداية الثمانيات الهجرية من القرن الماضي، ولم تعد المزارع تنتج محاصيل كافية لمعيشة الأسرة، فاضطرت عائلة عبدالعزيز الثاقب للنزوح إلى الرياض للبحث عن مصدر آخر للرزق، فتوظف الزوج في وزارة العدل بشفاعة من الشيخ عثمان بن حمد الحقيل رحمه الله تعالى، وكان هو المشرف على مكتب وزير العدل آنذاك، ومع أن الراتب في ذلك الوقت كان قليلا إلا أن الأسرة استطاعت أن تعيش به، بوقفة الزوجة شيخة الصابرة، التي كانت خير عون لزوجها، وساعدته على تصريف أمور البيت والأولاد.

وأضاف ابنها خالد: أن والدته ابتليت بكثرة الأمراض في سن مبكرة في كثير من أجزاء جسدها، وكانت تراجع المستشفيات بكثرة، فصبرت على ذلك واحتسبت، وكانت تدعو للأطباء الذين يعالجونها دعاء طويلا في كل زيارة، فيفرحون بذلك ويشكرونها على هذه الأدعية الطيبة المباركة. وذات مرة دعت لأحد الأطباء أن يجعله الله تعالى من الشهداء، فاعترض الطبيب عليها وقال: يا خالة أبي أعيش ما أبي أكون مع الشهداء. وكانت حريصة على الستر إلى أخر عمرها، فكانت تغطي وجهها بغطاء سميك، مع أنها عجوز ونظرها ضعيف، وتتعثر وتسقط بسببه ومع ذلك لم تخففه، كما أنها حريصة على ستر جميع جسدها عند الكشف الطبي، ولا تكشف إلا ما يحتاج الطبيب إلى فحصه. وفي عام 1429هـ أصيبت بمرض، واحتاجت لعملية جراحية عاجلة، وهي لا تتحملها بسبب أمراض مزمنة تعاني منها، وحصل معها مضاعفات كثيرة نتيجة العملية، عانت منها معاناة شديدة، حتى توفاها الله تعالى في 27/ 7/1430هـ. اللهم اجعل ما أصابها من مرض وابتلاء كفارة لها، ورفعة لدرجاتها، اللهم آمين. وبعد وفاتها افتقدها المساكين والأرامل والعمال وذوي الحاجات كثيرا، حتى إن العمال الذين كانت تحسن لهم في الحارة بكوا عليها بكاء شديدا لما بلغهم خبر وفاتها.

كتبه: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحقيل

الخميس 20 صفر 1447هـ