الشيخ القاضي عثمان بن إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن سليمان الحقيل

تاريخ الميلاد: 1346هـ

مكان الميلاد: المجمعة

تاريخ الوفاة: 22 جمادى الأولى 1392هـ

التعليم: كلية الشريعة

المهنة: -

ولد الشيخ عثمان في بلدة المجمعة سنة 1346هـ ونشأ نشأة علمية دينية، وتلقى العلم على قضاتها وعلمائها، من أمثال: الشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عبد الله بن حميد، وغيرهم من العلماء والفقهاء الإجلاء. ولما فتحت مدرسة دار التوحيد بالطائف عام 1364هـ التحق بها وصار في الصف الأول من طلابها، حيث اختير مع نخبة من زملائه للالتحاق بمدرسة دار التوحيد، التي أمر الملك عبد العزيز رحمه الله بافتتاحها، والتي كانت بداية انطلاق مهمة في نظام التعليم. حيث اختير لها نخبة من العلماء من داخل المملكة وخارجها، واختيرت الطائف مقرا لها بصفتها مصيفا، مما جعلها موضع اهتمام العلماء والأدباء والشعراء، ومحط رحالهم في فصل الصيف فالموقع الجغرافي والجو الجميل والتراث العلمي والأدبي كل ذلك جعل الطائف مكانا مناسبا لإنشاء تلك المدرسة عام 1364هـ وسعى الملك عبدالعزيز إلى تسميتها بدار التوحيد انطلاقا من إيمانه بالعقيدة السلفية الصحيحة، ومن جانب أخر لتكون دافعا قويا لأولياء أمور الطلبة لتكون لديهم قناعة من خلال اسمها المرتبط بالتوحيد بأنها لا تخرج عما ألفوه وتوارثوه، حول مفهوم التوحيد الصحيح. حيث كانت الرغبة في الالتحاق بها ضئيلة وجيء بطلابها من أهلهم وبلدانهم بقوة الترغيب والترهيب، كما يشير إلى ذلك أحد طلابها وزميل الشيخ المترجم له: الأستاذ فهد المبارك رحم الله الجميع

ولقد ولد المترجم له في المجمعة والتحق بدار التوحيد ويقول عنه زميله وصديقه الشيخ عبد الله البسام، في كتابه علماء نجد خلال ثمانية قرون: وكان الشيخ عثمان مع دراسته النظامية في دار التوحيد يتلقى دروسا خاصة على مدرسي دار التوحيد. فقد قرأ على الشيخ المحدث بهجة البيطار، وكان يومئذ مديرا لدار التوحيد ومؤسسها بأمر الملك عبد العزيز. كما قرأ دروسا خاصة على الشيخ عبد الله المسعري، وكان مدرسا بدار التوحيد. والشيخ عبد الله بن صالح الخليفي، وغيرهم. وكان مجدا في تلقي العلم من دروس أساتذة الدار، فصار في فصل دراسته هو الأول دائما، ويحوز التقدير الأول في الامتحانات. وهكذا أتم دراسته في دار التوحيد، ونال شهادة الثانوية. ويقول الشيخ البسام : وكان لي معه زمالة في دار التوحيد، وكنت آنس به وبالبحث معه.

ثم أسست كلية الشريعة سنة 1369هـ في مكة المكرمة، وكان من الفوج الأول الذي التحق بها هو وزملاؤه، فدرس بها. ويقول الشيخ البسام: لقد اشتهر الشيخ عثمان بأخلاقه وسمته ورجاحة عقله ودينه وتفوقه على اقرأنه بالمعلومات، فاختير قاضيا في المحكمة المستعجلة بالطائف، وعمل فيها فترة من الوقت ونجح في أعماله القضائية.

وأذكر بهذه المناسبة حينما كنت طالبا في دار التوحيد عام 1371هـ خطب فينا الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف العامة يحثنا على الاهتمام بالعلم والتعليم والجد، وضرب مثلا بالشيخ عثمان، حيث اختير للقضاء وهو مازال طالبا في كلية الشريعة، لجده واجتهاده ومثابرته وتفوقه في تحصيل العلم. كما كان رحمه الله يحضر حفل نادي دار التوحيد الثقافي مساء كل خميس، وكذلك أمير الطائف عبد العزيز بن معمر، الذي وجد منه كل تشجيع.

ولما فتحت المعاهد العلمية في الرياض والتي كان يشرف عليها سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم احتاجوا إلى كفاءة علمية لسد الفراغ فيها، عين الشيخ عثمان مدرسا في معهد الرياض العلمي سنة 1371هـ فقام في عمله مدة طويلة، واستفاد منه الطلاب، وتخرج على يديه أفواج من الطلاب، لايزالون يدينون له بالفضل في حسن التعليم. كما اختاره سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم المفتي العام ورئيس القضاة للعمل معه بدار الإفتاء، مع الشيخين عبد الله بن عقيل والشيخ عبد العزيز بن رشيد. ثم نقل رئيسا لمحاكم المنطقة الشرقية، وهو عمل قضائي مهم وبقي هناك أكثر من عشرين عاما. وتتبعه أكثر من تسعة عشرة محكمة. فقام بأعمالها القضائية والإدارية خير قيام. كما كان يلقي دروسا وفتاوى من خلال تلفاز الظهران، التابع لشركة الزيت العربية أرامكو. وكم نتمنى جمع تلك الفتاوى وطباعتها. كما كان إماما وخطيبا بجامع الظهران. لقد كان مع عمله كما يقول زميله الشيخ عبد الله البسام رزينا عالما هادئا بعيد النظر صائب الفكر، واشتهر بالنزاهة ورحابة الصدر والإخلاص، فصار له من ذلك ذكر حسن وسمعة طيبة.

واذكر حينما نزوره في الظهران ونخرج معه للنزهة على البحر كان يطلب منا اصطحاب الكتب حيث كان يحرص على الفائدة حتى في نزهاته.

ولحاجة هيئة تمييز الأحكام الشرعية ودعمها بالعلماء الأكفاء ممن لهم خبرات طويلة في ميدان القضاء ولهم نشاط ملحوظ وماض شريف في أعمالهم فقد وقع الاختيار ليكون عضوا في هيئة التمييز في مكة المكرمة. فنقل في عام 1390هـ وباشر العمل هناك. ويقول عنه الشيخ عبد الله البسام: ولقد سعدت به ــ والله ــ فترة طيبة من الزمن. وتشاركنا في أعمال قضائية أخرى خارجة عن نطاق عملنا، وصرنا نجتمع سويا، فتأكد لي من خلال ذلك دينه وعمله وخلقه وكفاءته، ويقول عنه كذلك الشيخ عبد الله البسام: وكان أشد أمر عليّ وعلى زملائه في هيئة التمييز في الغربية أن يصدر الأمر بنقله إلى العمل في تمييز الأحكام في الرياض، التي تميز المنطقة الشرقية والوسطى، أما هو فقد ارتاح لهذا النقل لان أكثر أيام حياته عاشها هناك.

ولقد غادر مكة المكرمة مسافرا إلى الرياض ومعه أهله وأولاده، مارا بالطائف ليلة الاثنين من اليوم الثاني والعشرين من شهر جمادى الأولى عام 1392هـ متوجها إلى مقر عمله الجديد في الرياض، وفيما كنا ننتظر وصوله وكنا فرحين بقدومه الرياض تحول الفرح لحزن شديد، ورددت قول الشاعر:

يا غائبا ما يؤوب من سفره عاجله موته على صغره

ففي صباح يوم الاثنين المذكور واصل سيره وكان يقود سيارته، وحينما أقبل على بلدة الدوادمي بنحو عشرين كيلا أخذه النوم فخرجت به السيارة عن الطريق، فارتطمت بصخرة كبيرة، وتوفي في الحال رحمه الله، ودفن في الدوادمي رحمه الله تعالى. ولقد كان ذلك الخبر صدمة كبيرة مذهلة، ونبأ مفزعا لجميع أقاربه وأصدقائه ومحبيه وتلاميذه، قابلوه بالصبر والدعاء له بالرحمة والمغفرة. ولقد توافد الكثير من زملائه وطلابه من مختلف مناطق المملكة للعزاء فيه. وكان حال الجميع ينطق بما قاله الشاعر:

بحثت لي عن معز يوم مصرعه فلم أجد غير محزون أعزيه

ورثيته بمقالة نشرتها في صحفنا المحلية، كما رثيته بقصيدة اجتزئ منها ما يلي:

سخنت أعين بالدمع حين نعى لها عريق المزايا والنهى والمكارمِ
شـمــائــلــه أكرم بـهـا مـن شــمائل سما بصفات أعجبـــت كل فاهم
مـــن الـعلمــاء الـمـخـلصين بعلمهم وأفعاله زانــــت لـــدى كـــل عالم
تــغمدكــم رب الــعــبــاد بـفـــضـــلــــه شأبيب خـــيــر مــن كــريــم وراحم

وهي قصيدة طويلة ولقد خلف رحمه الله مجموعة من الأبناء والبنات وجلهم يحملون الشهادات العليا.

رحمه الله وقدس روحه في عليين وبارك في عقبه وندعو الله له ولوالدينا ولجميع المسلمين أن يفسح لهم في جنته ويجزل لهم المثوبة إنه جواد كريم والله المستعان.

كتبه : عبدالله بن حمد الحقيل